الفصل الثامن والثلاثون في التريّث في الأمور
يجب عدم التسرع في الأمور ، فإذا ما سمع خبر ما أو طرأ شيء ، يجب تدبّره بتأنّ وهدوء إلى أن تنجلي حقيقته ، ويتبيّن الكذب من الصدق . فالتسرّع من شأن الضعفاء لا الأقوياء .
وإذا ما تحاجّ خصمان بين يدي الملك ، يجب عدم إشعارهما بمن يؤيده الملك ويميل إليه ، لئلا يخاف صاحب الحق آنذاك فلا يستطيع بيان حجته ، ويزداد الذي على الباطل جرأة فيوغل في كذبه وافترائه .
يقول الحق تعالى في محكم كتابه العزيز :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
« 1 » .
فراسة ألب أرسلان
كان في مدينة « هراة » عالم معروف « 2 » ، هو ذلك الشيخ الذي قدم لمولانا مرة . وحدث أن ذهب السلطان الشهيد « 3 » - أنار اللّه برهانه - إلى هراة وأقام فيها مدة ، وفي هذه الأثناء نزل عبد الرحمن الخال « 4 » في سراى ذلك الشيخ العالم . وذات يوم ، قال عبد الرحمن أمام السلطان على الشراب : « لهذا الشيخ حجرة يأوي إليها ليلا ، ويقال إنه يصلي فيها الليل كله . لكنني رأيت اليوم ، وأنا أفتح باب الحجرة ، زقّ خمر ، وصنما نحاسيا . إن الرجل يقضي ليله في الشراب وعبادة الصنم » . وكان عبد الرحمن الذي أحضر الزق والصنم معه ، يدرك أنه حينما يطلع السلطان على هذا الأمر ، سيأمر بقتل الشيخ حالا .
هامش
( 1 ) الحجرات : الآية 6 .
( 2 ) يرى عباس إقبال أن نظام الملك ربما يقصد بالعالم المعروف شيخ الإسلام الخواجة عبد اللّه بن محمد الأنصاري ( 396 - 481 ه ) العالم والصوفي الهروي المشهور الذي شكاه أهل هراة إلى ألب أرسلان ونظام الملك ، وألصقوا به التهم غير مرة ، لتعصبه في الدين وإلحاقه الأذى بهم لذلك . ويظن عباس إقبال أيضا أن نظام الملك تحاشى ذكر اسمه لأنه لم يكن بينهما صفاء ومودة ( حاشية 2 ص 165 ) .
( 3 ) أي ألب أرسلان .
( 4 ) في نسخة إقبال ( ص 166 ) أن عبد الرحمن هذا كان خال ألب أرسلان .