وحشمة ، ويقول آخر : أنا الأولى ، ويعصى كل شخص ويخالف من جانبه فسيتبدد كل ما لنا من رفعة وهيبة ويتغلب أعداؤنا علينا . وإذا ما دبّ الخلاف بيننا ، فإن السّيوف التي نحارب الكفار بها سنصوّبها إلى نحورنا ، وتفلت من أيدينا هذه الولاية التي استولينا عليها . لا حيلة لنا سوى أن نختار من بيننا أليقنا وأكفأنا ونجعله أميرا علينا نأتمر بأمره على أنه ألبتكين » . فقالوا جميعا : « لا علاج لأمرنا سوى هذا » . ثم أخذوا يستعرضون الغلمان المقدمين مبينين ما على كل منهم من مآخذ وعيوب إلى أن وصلوا إلى سبكتكين . فوجم الجميع حين ذكر اسمه . لكنه نهض من بينهم من قال : « لا عيب في سبكتكين سوى أن في الغلمان الآخرين من اشتري قبله وأكثر منه خدمة ، وإلا فإنه لا ينقصه شيء من حيث الفطنة والذكاء والنزال والشجاعة والمروءة والسخاء والبذل ومراعاة الناس وحسن الصحبة والعشرة والدماثة والخوف من اللّه والوفاء بالعهد والصدق والاستقامة . لقد رباه مولانا ألبتكين فكانت أفعاله تلقى من لدنه كل رضى وقبول دائما ، ثم إنه يجمع سيرة مولانا وخصاله جميعها ، يعرف لكل منا قدره ومكانته جيدا . هذا ما أعرفه عنه ، والرأي ما ترونه » .
وتشعّبوا في حديثهم ، ثم اتفقوا أخيرا على تنصيب سبكتكين أميرا عليهم . وردّ سبكتكين تنصيبهم له ، لكنهم أجبروه على ذلك ، وحينذاك قال : « إن لم يكن ثمة مناص فإنني أقبل هذا العبء على أن تهبّوا معي هبّة رجل واحد على كل من يخالفني أو يشق عصا طاعتي أو ينبذ أوامري ظهريا ويتوانى في تنفيذها منكم ، وتقتلوه » . فعاهدوه أوثق عهد وأقسموا على ذلك ، ثم أخذوه وأجلسوه مكان ألبتكين ، وسلموا عليه بسلام الأمير ونثروا الذهب والفضة من حوله . وتكللت كل تدابير سبكتكين وحملاته بالسداد والنجاح . ثم تزوج من ابنه رئيس زابل ( زابلستان ) التي ولدت له محمودا ، ولهذا قيل له محمود الزابلي . ولما كبر محمود شارك والده في حملات وأسفار كثيرة .
وأنعم خليفة بغداد بلقب « ناصر الدين » على سبكتكين ، لما قام به من أعمال جليلة ، وأحرز من انتصارات عظيمة في ديار الهند .
ولما توفي سبكتكين خلفه ابنه السلطان محمود الذي كان قد ثقف عن والده تدبير شؤون الملك وإدارته . وكان محمود كاتبا وقارئا يهوى الإصغاء إلى أخبار الملوك دائما ، ولقد حاز كل الصّفات والسير الحميدة .
ومضى محمود في طريق الفتح ، ففتح ولاية « نيمروز » واستولى على خراسان . أما الهند فتوغل فيها كثيرا واستولى على « سومنات » وجلب « مناة » وتغلب على ملوكها وهزمهم ووصل أمره إلى ما وصل إليه .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 154
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٥٤