يأخذ أحدكم من أي شخص شيئا دون أن ينقده ثمنه ، وكل من يخالف هذا يعاقب » .
وذات يوم ، وقعت عين ألبتكين على غلام تركي من غلمانه كان قادما وهو يعلق مخلاة تبن ودجاجة على طوق سرج حصانه ، فقال : « إليّ بذلك الغلام » . فأتي به وسأله ألبتكين : « أنّى لك مخلاة التبن هذه والدجاجة ؟ » ، قال : « أخذتهما من فلاح قروي » . قال ألبتكين : « هلّا تتقاضى راتبا شهريا ؟ » قال الغلام : « أجل » . قال ألبتكين : « فلم لم تشترهما بنقود إذا ؟ فإنني أدفع لك أجرا شهريا لئلا تأخذ من فقير شيئا دونما حق ، فضلا عن أنني أمرت مناديا ينادي عليكم بهذا » . وأمر في الحال بشق الغلام نصفين وتعليقه ، والمخلاة معه ، على قارعة الطريق . ثم أمر بأن ينادى ثلاثة أيام « إذا ما بلغنا أن أحدا أخذ من شخص شيئا سنجازيه بما جازينا به هذا الغلام من خواص غلماننا » . فخاف الجيش وأمن الناس ، وأخذت النعم والخيرات ، التي لا يعلم مقدارها سوى اللّه عزّ وجلّ ، تترى على المعسكر يوميا لتباع ثمّة ، ولم يدع ألبتكين أحدا من الغلمان يأتي ولو بتفاحة واحدة من المدينة .
لما رأى أهل غزنين ما هم عليه من أمن وعدل ونعمة قالوا : « إننا في حاجة إلى ملك عادل نكون في ظله آمنين على أرواحنا وأموالنا وأبنائنا تركيا كان أم فارسيا » . واخترقوا بوابة المدينة ومضوا إلى ألبتكين . ولما رأى « لويك » هذا فرّ إلى القلعة ، لكنه خرج منها بعد عشرين يوما وصار إلى ألبتكين الذي أظهر له رزقا وأملاكا يعيش منها ، ولم يلحق أذى بأحد ، وعدّ غزنين موطنا له . ومن هناك قصد الهند - وكانت المسافة بين غزنين وديار الكفر مسيرة يومين - فأصاب غنائم وفيرة .
وشاعت الأخبار في خراسان ونيمروز وما وراء النهر بأن ألبتكين اقتحم أبواب الهند وأغار عليها وظفر غنائم كثيرة من الذهب والفضة والأنعام والعبيد والتحف الطريفة النادرة التي لا يعلم مقدارها سوى اللّه وحده . وانضم إليه الناس من شتى الأطراف حتى وصل عدد أتباعه إلى ستة آلاف خيال . واستولى ألبتكين على عدد من الولايات وأخضعها إلى « برشاوور » « 18 » . وتصدّى له ملك الهند بمائة ألف خيال وخمسين ألف راجل وألف وخمسمائة فيل لإخراجه منها . ومن الطرف الآخر أرسل أمير خراسان شخصا يدعى أبا جعفر بخمسة وعشرين ألف فارس لحرب ألبتكين أيضا ، والثأر لهزيمة جيشه النكراء وقتلاه على مشارف بلخ وفي مضيق خلم . وترك ألبتكين أبا جعفر يتقدم بجيشه حتى صار على بعد منزلة واحدة من غزنين ، فخرج حينذاك برجاله الستة آلاف من غزنين وأطبق على جيش أبي جعفر ، واستطاع أن يتغلب على الخمسة والعشرين ألفا في مدة قليلة
هامش
( 18 ) في نسخة عباس إقبال : « برصابور » وهي مدينة « بيشاور » الحالية عينها ، التي تقع الآن في ولاية البنجاب شمالي غرب الهند ( حاشية ص 142 ) .