ويهزمهم هزيمة شنعاء أسوأ ألف مرة مما مني به الجيش السابق على مشارف خلم . أما أبو جعفر فولّى الأدبار وحيدا بعد أن وجد نفسه دون رجال . غير أن القرويين قبضوا عليه . ولم يعرفوه ، فسلبوه جواده وكل ما كان معه وأطلقوه . فمضى إلى بلخ راجلا متواريا ودخلها متنكرا . أما أنعامهم وعددهم وغنائمهم فآلت إلى ألبتكين جميعا ، ولم يعد أمير خراسان ، بعد هذه المرة ، إلى التصدي لألبتكين أو التعرّض له ، لأن ضعف السامانيين بعد ألبتكين بلغ مداه إذ صاروا هدف أمراء تركستان ونهبا لحملاتهم . ولما فرغ ألبتكين من قتال أبي جعفر تفرغ لملك الهند ، فبعث برسائل إلى خراسان وشتى الأنحاء يطلب مددا . فجاءته أعداد غفيرة طمعا في الغنائم وطلبا للغزو وصل عددهم إلى أحد عشر ألفا وخمسمائة خيال وراجل ، كلهم من الشباب المدججين بكامل أسلحتهم . وتقدم بهم نحو ملك الهند ، ثم حمل على طلائع جيشه بغتة فقتل أكثر من عشرة آلاف هندي ، ولم يلته بالغنائم بل خف منسحبا إلى الخلف . فلما حمل عليه جيش الملك لم يجده .
لقد كان ثمة جبل شاهق وشعب كانت طريق جيش ملك الهند منه . فما كان من ألبتكين إلا أن تمركز في أول الشعب واستولى عليه ، ولما وصل الملك إلى هناك لم يستطع أن يمر منه بل عسكر حيث وقف به المسير ، وأقام على تلك الحال شهرين ، في حين كان ألبتكين يغير عليهم ليل نهار بغتة باستمرار ويقتل منهم .
وقد أبلى سبكتكين في هذه الحرب بلاء حسنا ، وتمت على يديه أعمال جليلة كثيرة . أما ملك الهند فبقي على ما هو عليه إذ لم يستطع أن يتقدم إلى الأمام أكثر ، ولم يكن في استطاعته أن يعود دون بلوغ الهدف وتحقيق الاستقرار .
وفي نهاية الأمر اقترح ملك الهند على ألبتكين : « لقد جئت من خراسان طلبا للرزق ، فما بالك في أن أهبك من الأراضي ما تعيش منها على أن تنضم بمن معك إلى جيشي وتصبحوا جزءا منه تأكلون وتقيمون بسلام آمنين » . فرضي ألبتكين بهذا وقبله . وأعطاه الملك عددا من المدن والنواحي وخمس قلاع ، ثم عاد . لكن الملك كان قد أوعز إلى حامية القلاع سرّا : « لا تسلموه القلاع بعد عودتي » . ولما عاد امتنعوا عن تسليمها له . فقال : « لقد نقضوا الآن عهدهم » . وأغار من جديد ، ففتح المدن واستولى على القلاع عنوة لكنه توفي في هذه الأثناء . فوقع جيشه وغلمانه في حيرة من أمرهم ، لأن الهنود والكفار كانوا يحيطون بهم من كل جانب . وجلسوا يتداولون الأمر ويتدبرونه فقالوا : « لم يترك ألبتكين ولدا نجعله خليفة له ، ونسوده علينا . أما نحن فقد حزنا في الهند كثيرا من الاحترام والرفعة والشرف ، ولنا في قلوب الهنود هيبة جد عظيمة . إن نشغل أنفسنا بأن يقول أحدنا : أنا أكثر احتراما
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 153
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٥٣