لما أنهى كلامه نهض ، وقال لأمراء الجيش : « تقدموا إليّ واحدا واحدا لأودعكم » . وعبثا حاول الأمراء ثنيه عن عزمه ، فأخذوا بالبكاء وتقدموا منه ، وعيونهم تترغرغ بالدموع ، وجعلوا يعانقونه الواحد تلو الآخر إلى أن ودّعهم جميعا . ولما انصرفوا كلهم دخل خيمته الخاصة في حين أن أحدا لم يصدق أن ألبتكين سيترك خراسان إلى الهند ، لأنه كان له في مملكة السامانيين خمسمائة ضيعة في خراسان وما وراء النهر ، ولم تكن ثمة مدينة إلا كان له فيها قصر وبساتين ومحطات قوافل وحمامات ومستغلات كثيرة ، فضلا عن مائة ألف رأس غنم ومائة ألف حصان وبغل وجمل .
وفي اليوم التالي ، سمع الأمراء صوت النفير ، فتحرك ألبتكين ومعه غلمانه وحاشيته إلى بلخ تاركا وراءه تلك النعم جميعها . أما أمراء خراسان فصاروا جميعا إلى بخارى .
لما وصل ألبتكين إلى بلخ ، قرّر أن يمكث بها شهرا أو شهرين ليمكن الذين يريدون الغزو من وراء النهر وختلان « 12 » وطخارستان وأطراف بلخ من تجميع أنفسهم ، ثم تقدم نحو الهند غازيا . غير أن المفسدين والمغرضين أوحوا إلى منصور بن نوح أمير خراسان بأن « ألبتكين ذئب عجوز لن تكون في أمن منه وسلام ما لم تقض عليه . يجب إرسال جيش في إثره للقبض عليه وإتيانك به » . فأرسل منصور في إثره أميرا بستة عشر ألف فارس إلى بلخ . فلما وصل هذا الجيش إلى « ترمذ » « 13 » وعبر جيحون كان ألبتكين قد اتجه من بلخ إلى « خلم » « 14 » . وكان يقع على بعد أربعة فراسخ بين بلخ وخلم واد ضيق محاط بالوديان والقرى من عن يمينه وشماله يعرف ب « مضيق خلم » . نزل به ألبتكين ووضع في أعلاه مائتي خيال من غلمانه للمراقبة والاستطلاع . وكان يملك في هذا الوقت ألفين ومائتي مولى تركي من أفضل الرجال ، فضلا عن ثمانمائة فارس غاز كانوا قد التحقوا به من شتى النواحي .
ولمّا وصل جيش أمير خراسان ، عسكر في الصحراء أمام المضيق لعدم تمكنه من الوصول إلى المضيق نفسه ، وظل على هذه الحال شهرين . بعد مضي الشهرين جاء دور سبكتكين في المراقبة والاستطلاع ، فلما وصل إلى قمة المضيق ورأى الجيش منتشرا في الصحراء وطلائعه متحفزة متوثبة قال في نفسه :
« لقد ترك مولانا خراسان وما له فيها من نعم وثروة ومضى غازيا ، فطمع هؤلاء بروحه وأرواحنا جميعا . إنني أخشى ، لشدة وفاء مولاي بعهوده ومراعاته لهم ، أن يلقي بنفسه وأنفسنا إلى التهلكة . لا
هامش
( 12 ) ختلان ( بفتح وسكون ) : بلاد مجتمعة وراء النهر قرب سمرقند ( معجم البلدان ) .
( 13 ) ترمذ : مدينة على ساحل جيحون كانت من أجمل مدن ناحية الصغانيان ؛ ما زالت تعرف بهذا الاسم في جمهورية تاجيكستان السوفياتية . ( معجم البلدان ؛ وبلدان الخلافة الشرقية 484 ؛ وعباس إقبال : حاشية ص 137 ) .
( 14 ) خلم : ( بضم الأول وتسكين الثاني ) : مدينة صغيرة شرقي بلخ . ( معجم البلدان ؛ وبلدان الخلافة الشرقية 469 ) .