الأطماع الدنيئة الذين سيجدون المجال متاحا أمامهم لأن يلوكوني بألسنتهم وتأليب الصبي عليّ » .
أرسل ألبتكين في الحال خمسة رجال كل منهم على جمّاز « 8 » في إثر الرسولين ، وقال لهم : « حاولوا ، ما وسعكم الجهد ، أن تلحقوا بهما قبل أي يعبرا نهر جيحون وتعيدوهما » . وانطلق المجمزون في سرعة فأدركوا أحد الرسولين في صحراء « آموي » في حين كان الآخر قد عبر جيحون . ولما وصلت رسالة ألبتكين إلى بخارى استاء ابن الأمير وأتباعه الذين قالوا : لم يحسن ألبتكين صنعا حين أشار بتنصيب أخي الأمير ، أما درى أن ميراث الأب يصير إلى الابن لا إلى الأخ ، وظلوا يرددون هذا النغم ، وضغن الصبي على ألبتكين يتزايد يوميا . والتمس ألبتكين الأعذار الكثيرة وبعث بالهدايا الجمّة ؛ غير أن هذا لم يجد فتيلا في نفض غبار الحقد والغضب عن قلب ابن الأمير . وظلّ المفسدون وذوو الأطماع الخاصة يوغرون صدر الأمير الذي اضطرمت نار حقده وغضبه ونقمته .
وكان أحمد بن إسماعيل في أخريات حياته اشترى ألبتكين الذي خدم نصر بن أحمد عدة سنوات . ولما مات نصر خدم نوح بن نصر وتقلد على عهده القيادة العليا لجيش خراسان . ولما مات نوح خلفه ابنه منصور . وانقضت ست سنين من عهد منصور وألبتكين ينقده الأموال ويسعى ما وسعه الجهد لوضع الأمور في نصابها دون أن يستطيع المغرضون أن ينالوا منه شيئا لدى منصور بن نوح أو يوغروا عليه قلبه . وكان وكلاء البلاط « 9 » يكتبون إلى ألبتكين عن كل ما يدور في بخارى العاصمة .
لكن المفسدين لم يتركوا منصور بن نوح ، بل أوحوا إليه بأنه : « لن تكون أميرا وحاكما حقيقيا ما لم تقتل ألبتكين . إنه يحكم خراسان من ثلاث وخمسين سنة ويكدس الأموال والثروات ، وإن الجيش كله يأتمر بأمره ويطيعه . إن تقبض عليه تفرغ منه بالا وتملأ الخزينة من أمواله . وليس من حيلة لهذا سوى أن تستدعيه إلى البلاط وتظهر له : « إنك ، مذ تولينا الإمارة ، لم تأت إلى البلاط ولم تجدد العهد والولاء . إنك محط آمالنا وقد اتخذناك بمثابة الأب . إن قواعد ملكنا راسخة بك ، فأنت مدار ما وراء النهر وخراسان ، أما ما يدور على الألسن من قيل وقال فليس إلا لأنك لم تأت إلينا قط . عليك الحضور إلى البلاط بأسرع وقت ممكن لإعادة كل ما خرج عن قاعدته وأصوله في بلاطنا وقصرنا
هامش
( 8 ) الجمّاز ( بفتح فتشديد ) : من جمز الإنسان البعير والدابة جمزا وجمزى ، وهو عدو ( بسكون الدال ) دون الحضر ( بضم الحاء وسكون الضاد ) الشديد وفوق العنق ( بفتح العين والنون ) . وبعير جماز منه ، وراكبه المجمز . ( اللسان - جمز ) .
( 9 ) وكيل البلاط : العامل الذي يوفده حكام الأقاليم إلى بلاط السلطان لينهي إليهم ما يعنيهم مما يجري فيه ويراقب مصالحهم عند السلطان ( تاريخ البيهقي - الترجمة العربية - كشاف المصطلحات التاريخية . ص 805 ) .