سيرته الأولى ، ليزداد اعتمادنا عليك وثقتنا بك ، وتخرس ألسنة ذوي المآرب الخبيثة وتكف عن الكلام » . وحين يأتي إلى هنا ادعه وحيدا ومر بضرب عنقه .
نفذ الأمير السديد « 10 » منصور هذا واستدعى ألبتكين إلى البلاط . لكن منهو الأخبار كتبوا إلى ألبتكين يخبرونه بالذي يريده منصور من أجله . فأعلن النفير وأمر رجاله بأن يستعدوا للتوجه إلى بخارى . ثم توجه ومعه حوالي ثلاثين ألف خيال من نيسابور إلى سرخس . وبعد ثلاثة أيام من نزوله بها دعا إليه أمراء الجند ، وقال لهم : « أود أن أقول لكم شيئا وأريدكم أن تجيبوا عنه بما ترونه صوابا وفيه فائدتنا ونفعنا جميعا » . قالوا : « سمعا وطاعة » . قال : أتدرون السبب الذي يطلبنا أمير خراسان من أجله أم لا ؟ قالوا : « يريد أن يراك لتجديد العهد ، لأنك بمثابة الأب له ولآبائه من قبل » . قال : « ليس الأمر على ما تظنون . إن الأمير يستدعيني لقتلي وفصل رأسي عن جسدي ، فهو طفل لا يعرف أقدار الرجال . إنكم تعلمون أنني أنا الذي حفظت للسامانيين ملكهم سنوات طويلة ، وما أزال ، ولقد هزمت أمراء تركستان ممن كانوا يطمعون في ملكهم مرات ، كما قهرت الخارجين عليهم من كل صوب ، ولم أعصهم قط ولو طرفة عين . لقد حافظت على هذا الملك لجده وأبيه وله ، وما أزال ، لكنه يريد أن يكافئني في النهاية بقطع رأسي دون أن يدرك أن ملكه جسد أنا رأسه ، فهل من بقاء للجسد بعد الرأس ؟ ! والآن ما الذي ترونه صوابا ؟ ما الحيلة إلى دفع هذا البلاء ؟ » . قال الأمراء جميعا :
« حيلته السيف . ما ذا ننتظر منه ما دام يكن لك هذا ويريد أن يكافئك بأعمالك هذه المكافأة ؟ لو كان ثمة شخص غيرك لنزع الملك من أيديهم منذ خمسين سنة . نحن جميعا نعرفك أنت ، ولا نعترف به وبأبيه . إن ما نملك نحن وكل الرجال في دولة السامانيين من عيش وجاه وحشمة ونعمة وولاية وزينة ليس إلا منك أنت . فيك وحدك صرنا رجالا . نحن معك ، ومما لا شك فيه أن خراسان وخوارزم ونيمروز « 11 » معك أيضا . ادع إلى خلع منصور بن نوح ، ثم نصّب نفسك أميرا ، وهبه بخارى وسمرقند - إن شئت - وإلا ضمّهما إليك أيضا .
ولأن الأمراء قالوا هذا الكلام عن رغبة أكيدة وتامة ، قال ألبتكين : « عفا اللّه عنكم ؟ لقد كان كلامكم عن إيمان واتحاد ، وهذا ما أتوقعه منكم . جزاكم اللّه عني خير الجزاء دائما . انصرفوا اليوم لنرى ما يحمل إلينا غد » .
هامش
( 10 ) فضلا عن معنى الكلمة لغويا ، فقد كان لقبا لمنصور بن نوح الساماني . ( جعفر شعار ص 427 ) .
( 11 ) نيمروز : كلمة فارسية معناها نصف يوم أو الأرض الجنوبية . أطلقت على ولاية سجستان . يقال إنها سميت بذلك لوقوعها في جنوب خراسان أو لأن الشمس تسامتها نصف النهار . ( معجم البلدان ؛ ومفاتيح العلوم ص 7 ؛ وبلدان الخلافة الشرقية ص 372 ) .