لقد كان مع ألبتكين في هذا الوقت ثلاثون ألف فارس ، وكان في استطاعته تجهيز مائة ألف . وفي اليوم التالي ، جاء الأمراء للقاء ألبتكين فخرج إليهم واتخذ مكانه . وبعد مدة وجيزة التفت نحوهم ، وقال : « لقد أردت من حديثي معكم أمس أن أختبركم لأرى ما إذا كنتم تؤازرونني وتقفون معي وتحمون ظهري إذا ما وقع لي شيء أم لا ؟ إن ما سمعته منكم جميعا لدليل على أصالتكم ونقائكم وحسن عهدكم ووفائكم ورعايتكم حق نعمتي . إنني لراض عنكم ، لكن اعلموا أنني لا أستطيع ، بعد ما حدث ، أن أكف شر منصور وأذاه عني بغير السيف . فهو طفل لا يعرف لأحد حقا ، بل يلقي أذنا صاغية إلى ثلة من الأشرار الأوباش الأرذال دون أن يعرف ما يضره مما ينفعه . إنه يعدّني - وأنا الذي أحمي سلالته - عدوا ويطلب عنقي ، في حين أنه يعدّ من لا يبغون سوى فساد المملكة ودمارها ومن لا يستطيعون رأب أقل صدع فيها أصدقاء ، إنني لقادر على نزع الملك منه وتنصيب عمّه مكانه ، أو الاستيلاء عليه بنفسي ، لكنني أخشى أن تقول الدنيا كلها : « إن ألبتكين الذي حمى للسامانيين ملكهم ستين سنة يخرج عليهم في النهاية - وقد بلغ الثمانين - وينزع الملك منهم بالسيف ويتربع على عرش أسياده كافرا نعمتهم جاحدا لها ! .
اعلموا أنني قضيت عمري كله حسن السمعة والفعال ، فعليّ ألا أفعل ما يشوّه سمعتي ويسيء إليّ ، وأنا على شفا حفرة من القبر . على الرغم من أن منصورا هو الآثم المذنب ، والناس لا يعلمون هذا ، فإن بعضهم سيقول : « لقد كان منصور هو المخطئ » . وسيقول آخرون : « لا ، لقد كان الذنب كله ذنب ألبتكين » . ومع أنني لا طمع لي في ملك منصور ، ولا رغبة في إلحاق الضرر به ، فإنّ قالة السوء في خراسان لن تنقطع ما دمت فيها ، وأن المغرضين سيؤججون عداوة الصبي وحقده عليّ يوما بعد يوم . لكنه لن يبقى لهم ما يقولون إذا ما تركت خراسان وخرجت من حوزة هذا الصبي . هذه واحدة ، والأخرى أنه إن كان لا بد من شرع السيوف من أجل لقمة العيش وقضاء ما تبقى من العمر ، فمن الأفضل أن تشرّع في وجه الكفار ابتغاء ثواب الآخرة . لتعملوا الآن يا أمراء جيش خراسان وخوارزم ونيمروز أن منصورا هو أمير خراسان وما وراء النهر وأنتم جميعكم جيشه وقادته ، وبه كنتم تحت لوائي . انهضوا وامضوا إلى بلاطه وقابلوه وجدّدوا له العهد وابقوا على ما أنتم فيه من مراتب في الخدمة ، فإنني قد عقدت العزم على المضي إلى الهند للغزو والجهاد . إن أقتل تكتب لي الشهادة ، وإن يحالفني التوفيق والنجاح في نصرة الإسلام وعزته فسأرد القوم الكافرين إلى حظيرة الإسلام أملا في الجنة ورضى اللّه ورسوله . ثم إن أمير خراسان سيرتاح مني ، وتنقطع قالة السوء عني حسنا كنت أم سيئا . حينئذ تكون خراسان وجيشها وأهلها في عهدة منصور وحده » .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 148
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٤٨