المرتبة ، فأنّى تمنح له ؟ » . قال ألبتكين : لقد قلت ، - وسمع الغلام فانحنى شاكرا - وإنني لأمنحه هذه المنزلة هبة وأعطية ، أما الآخرون غيره فيجب أن تطبق عليهم الأصول المرعية سابقا . ثم سلّم العنبر ، فآلت إليه كل خدمة سبع أو ثماني سنوات .
وفكر ألبتكين في نفسه : « ما السر في بلوغ غلام غرير اشتري حديثا منزلة خدمة السبع السنوات ؟ قد يكون تحدره من أسرة كريمة بتركستان ، أو أن الحظ سيبتسم له ويصل به إلى أعلى الدرجات » . وشرع في تدريبه واختباره وإرساله بالأخبار إلى هذا وذاك ، وكان يقول له ألبتكين : « اذهب وآتني بالجواب » . فكان يذهب ويعود بالجواب على نحو أفضل من نقله الخبر . ولما ثبت له ، بالاختبار ، أن الغلام يبدي تقدما يوما بعد يوم ، وقرت محبته في قلبه ، وكلّ إليه أمر السقاية ، ثم أمره بالانقطاع إلى خدمته هو فقط ، وخصّه بفوج من عشرة غلمان صغار وأخذ يزيد في منزلته يوميا .
ما أن بلغ سبكتكين الثامنة عشرة ، إلا وله فوج من مائتي غلام شجاع ، وقد ثقف كل خصال ألبتكين وعاداته الحميدة في الجلوس والقيام والحديث والطعام والشراب والمجلس والصيد والرماية واللعب بالطبطابة ومداراة الناس ومراعاتهم والعيش مع الجند عيش الإخوة ، حتى إنه لو حصل على تفاحة لا يأكلها إلا مع عشرة آخرين . لقد أحبه الناس قاطبة لطيبته وأخلاقه الحسنة وسيرته الحميدة .
لياقة سبكتكين وجدارته
حدث أن اختار ألبتكين يوما مائتي غلام وأنفذهم إلى « خلج » « 6 » و « التركمان » لتحصيل الأموال المستحقة عليهم ، وكان سبكتكين في جملتهم . فلما وصلوا إلى هناك امتنعت الطائفتان عن دفع الأموال كاملة . فغضب الغلمان وشهروا أسلحتهم لحربهم وانتزاع المال منهم عنوة . فقال سبكتكين :
« لا أحارب معكم ، بل أنفصل عنكم في هذا الأمر » . قال له صحبه : « ولم ؟ » . قال : « إن مولانا لم يرسلنا للحرب ، بل قال : اذهبوا واحضروا تلك الأموال والأنعام . إن نحاربهم الآن فيتغلبوا علينا ويهزمونا في هذا شين وعار عظيمان علينا وإضرار كبير بحشمة مولانا وجاهه ، هذا شيء . وشيء آخر أن مولانا سيقول : متى أمرتكم بالحرب ؟ ! ولن نجد ما حيينا منفذا أو حجة لملامته وعتابه الذي لا طاقة لنا به » . لما فرغ سبكتكين من قوله هذا ، قال أكثر الغلمان : « الصواب ما يقول سبكتكين » . ودب الخلاف بينهم ، وانتهى الأمر بعدم القتال وعودتهم . لما مثلوا أمام ألبتكين ، وقالوا : « لم نحصل
هامش
( 6 ) كذا في شعار ( ص 162 ) ودارك ( ص 143 ) . كذلك في معجم البلدان ( خلج ) وتاريخ البيهقي ( ص : 221 ، 725 ، 728 ) ، لكنها في عباس إقبال ( ص 131 ) : « خلخ » ( بالخاء ) وكذلك في « حدود العالم » ( ص 81 وغيرها ) . وأيا يكن الأمر ، فإن « خلج » ( بالجيم ) و ( بالخاء ) قبيلتان تركيتان .