وحين تنقضي السنة يكلم رئيس عنبره « 3 » الحاجب في أمره ، فيخبر الحاجب الملك فيأمر له حينئذ بمهر تركي بسرج غير مدبوغ ولجام عادي . وبعد خدمة سنة ، بمهر وسوط فقط ، يعطى في السنة الثالثة سيفا معقوبا يشدّه على وسطه ، ويعطى في الرابعة جعبة وكنانة سهام يرتديهما عندما يمتطي جواده . أما في الخامسة ، فيعطى سرجا أحسن ولجاما مكوكبا وقباء ودبوسا « 4 » . وفي السادسة ، يولى السقاية ويوكل بالماء فيعلّق في وسطه قدحا . وفي السابعة ، يوكل باللباس . وفي الثامنة يعطى خيمة من عمود واحد في ستة عشر وتدا ، ويضاف إلى فوجه ثلاثة غلمان صغار ممن اشتروا حديثا ، ويلبس قلنسوة لباد سوداء محلاة بخيوط فضية ، وقباء جنزيا « 5 » . هكذا يظل يزاد في ألبسته وآلاته وعدده وعدد أفراده ومقامه سنويا إلى أن يصبح قائد فوج ؛ وهكذا دواليك إلى أن يصير حاجبا . وحين تبدو كفاءته وجدارته وشجاعته للجميع ، وتتمّ على يديه الأعمال العظيمة ، ثم يصبح محطّ أنظار صحبه ومحبا لمولاه يجب ألا يولى الإمارة أو الولاية ما لم يبلغ الخامسة والثلاثين أو الأربعين من عمره .
علوّ منزلة سبكتكين
كان ألبتكين مولى للسامانيين وربيبا . ولي قيادة جيش خراسان العليا في الخامسة والثلاثين من عمره . كان صادق العهد وفيا وشجاعا جدا ، وكان تركيا شهما محبوبا لدى الناس ، محبا لجيشه ، جوادا معطاء ، يخاف اللّه ويتّقيه . ولقد جمع كل خصال السامانيين وسيرهم الحميدة ، وكانت أموال خراسان والعراق تحت تصرفه كما كان له ألف وسبعمائة عبد وغلام تركي .
اشترى ألبتكين يوما ثلاثين غلاما تركيا ، كان سبكتكين والد السلطان محمود أحدهم ، فكان أول طالع سعد سبكتكين أنه اشتري لألبتكين . وبعد ثلاثة أيام من شرائه ، وعلى حين كان يقف في وسط الغلمان أمام ألبتكين ، تقدّم الحاجب ، وقال لألبتكين : « لقد قضى الغلام فلان الذي كان رئيسا لأحد العنابر ، فإلى أي غلام تأمر بعنبرة ولباسه وفوجه ومنصبه ؟ » . فوقعت عين ألبتكين على سبكتكين ، وجرى على لسانه « وهبتها هذا الغلام الصغير » . فقال الحاجب : « يا مولاي ، لم تمض ثلاثة أيام بعد على شرائك هذا الغلام الصغير الذي يجب أن يمضي سبع سنوات في الخدمة ليصل إلى هذه
هامش
( 3 ) رئيس عنبر : ترجمة « وثاق باشي » وقد تابعت فيها مترجمي تاريخ البيهقي ( انظر ص : 85 من الترجمة العربية ) .
( 4 ) الدبوس : معرب دبوس ( بفتح الدال وضم الباء ) الفارسية وهو المقمعة ( فرهنگ فارسي ، والألفاظ الفارسية المعربة 60 ) .
( 5 ) نسبة إلى جنزة ( بالفتح ) ، وهي أعظم مدينة بارّان ( الران ) بين شروان وأذربيجان . بينها وبين برذعة ستة عشر فرسخا . ومن أسمائها أيضا گنجه . كانت تعرف في المائة الثالثة بالمتوكلية ، لأن الخليفة المتوكل أحدثها عام 240 ه . ويقول بعضهم في النسبة إليها : جنزوي أيضا ( معجم البلدان ؛ وبلدان الخلافة الشرقية 213 ) .