دقيقا منصفا - على عادته في كل تواليفه وبحوثه وأعماله - وفاه حقه ، ولم يترك مجالا لمزيد . إلا أنني سأقصر كلامي على ناحيتين فقط : الأولى تتصل بنواحي أخرى من الكتاب غير التي عرض لها الدكتور يوسفي ، وتشتمل أيضا على العناية الكبيرة التي أحرزها هذا الكتاب من لدن الإيرانيين والمستشرقين تحقيقا وترجمة ؛ والأخرى تدور حول ترجمتي هذه وما يدور في فلكها من أمور .
أما عن الناحية الأولى ، فعلى الرغم من أن الكتاب « يعز نظيره بين الكتب الفارسية « 5 » » ، فقد كان إلى زمن قريب - وما زال تقريبا - مثار جدل كبير ، بين الإيرانيين خاصة ، خلاصته أن الكتاب لا يمكن أن يكون النسخة الأصلية التي خطّتها يد نظام الملك نفسه ، لأنه ظل مدّة ليست قصيرة بعد مقتل صاحبه وديعة عند محمد المغربي كاتب السلطان الخاص الذي لا يستبعد بأن يده - أو يد غيره - قد امتدّت إليه وعبثت به . وقد قدّم المرحوم الأستاذ عباس إقبال أدلّة على هذا من طبعته للكتاب التي اعتمد في تحقيقها على بضع نسخ خطيّة متأخرة « 6 » . غير أن طبعة المستشرق دارك الثانية وطبعة الدكتور جعفر شعار اللذين اعتمدا في نشرهما على نسخة خطيّة جديدة عثرا عليها في « تبريز » تخلوان خلوّا تامّا من الأدلّة التي اتّكأ عليها عباس إقبال واتخذها شواهد على ما ذهب إليه حتى أضحت للآخرين حقائق مسلمة . يصف دارك النسخة الخطية الجديدة بقوله : « إنها نسخة أصيلة ، وهي أصح النسخ الأخرى وأكثرها اعتبارا . يعود تاريخ كتابتها إلى عام 673 ه ، وهي مكتوبة بخط حسين بن زكريا بن الحاج الدهستاني . . . كما أنها تخلو من عيوب النسخ الخطية الفارسية الأخرى ، وأن كاتبها لم يطلق لخياله وذوقه العنان فيعبث بالنص حذفا أو إضافة أو تغييرا » « 7 » . ثم « إنها أقدم نسخ الكتاب الخطية » « 8 » .
ومهما قيل ويقال في هذه المسألة ، فإن الكتاب ، فيما يقول الدكتور يوسفي في تصديره الآتي : « لأهم ذكرى وأحسن وثيقة عن عصر نظام الملك ، وطريقة تفكيره ، وكيفية حكمه » .
كانت هذه أولى المشكلات التي ظهرت لي وأنا أفكر في ترجمة الكتاب ، والتي تنعكس بجلاء في التباين الظاهر بين طبعات الكتاب المختلفة . ومن هنا أي من تعدد طبعات الكتاب انبجست المشكلة الأخرى ، وأظنها تعرض لكل مترجم يقدم على ترجمة كتاب طبع بضع طبعات متباينة . غير أن الاهتمام ب « سياستنامه » وطبعه مرات يحمل غير دلالة ، لعل من أهمها قيمة الكتاب وتعدّد مخطوطاته واختلافها .
هامش
( 5 ) عباس إقبال ، مقدّمة سياستنامه ص ط .
( 6 ) المرجع نفسه ، المقدمة ص أ - ب .
( 7 ) مقدمة الطبعة الثانية ( بالفارسية ) ص 11 - 12 .
( 8 ) المصدر نفسه ، الصفحات نفسها .