تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
وهكذا يصنع اللّه للإسلام ، فيقيم وجه أنصاره على أمره وحده ، لا يلتفتون معه إلى شئ آخر غيره . . فمن كان على نيّة الإيمان باللّه والجهاد في سبيله ، فهذه هي سبيله : أن يصرف وجهه عن الدنيا ، وأن يوطّن نفسه على الجهاد خالصا للّه ، لا يبغى به إلّا وجه اللّه ، ولا يطلب إلا مثوبته ورضوانه . . ففي قوله تعالى :
« كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ »
إلفات للمسلمين الذين كسبوا المعركة ، وحازوا ما كان مع قريش من سلاح ، ومتاع ثم صرفهم اللّه عن هذا السلاح والمتاع - إلفات لهم إلى تلك الحال التي كانوا عليها ، بعد أن صرف اللّه عنهم العير ، وجعلهم وجها لوجه مع العدوّ في ميدان القتال . . فهذه من تلك ، سواء بسواء . . والبيت الذي خرج منه النبىّ هنا ، هو المدينة . . فهي بيته - صلوات اللّه وسلامه عليه - الذي يأوى إليه ، ويقرّ فيه . وخروجه - صلوات اللّه وسلامه عليه - بالحق ، أي للحقّ ، ومن أجل الدفاع عن قضيّة الحق . . وليست قضية الحق هي هذا المتاع الذي كانت تحمله العير ، ولا هذه الأنفال التي خلصت لأيدى المسلمين ، وإنما قضية الحق هي إعلاء كلمة اللّه ، وإزاحة العقبات التي تقف في وجه الدعوة إلى اللّه ، بمحاربة أولئك الذين يحاربون اللّه ، ويصدّون الناس عن سبيله . والحقّ دائما ثقيل الوطأة على الناس ، إلّا من رزقهم اللّه الإيمان الوثيق ، والعزم القوىّ ، وأمدّهم بأمداد لا تنفد من الصبر على المكاره ، والقدرة على احتمال الشدائد . . إذ الحق - في حقيقته - مغالبة لأهواء النفس ، وتصدّ لنزعاتها ، وإيثار للآخرة على الدنيا ، وذلك من شأنه أن يجعل الإنسان في حرب متصلة مع نفسه ، حتى إذا أقامها على الحق ، وأسلم زمامها له ، كان عليه