تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
والسؤال هنا : كيف يجادلون في الحق بعد ما تبين لهم ؟ وكيف يكونون مؤمنين مع هذا ؟ وهل من شأن المؤمن أن يجادل في الحق إذا عرف وجهه ، واستبان له طريقه ؟ والجواب : أن الحقّ - وهو قتال المشركين - كان أمره ظاهرا لهم ، بعد أن أفلتت منهم العير ، إذ كان اللّه - سبحانه - قد وعدهم على لسان نبيّه الكريم بأنّهم سيظفرون بإحدى الطائفتين ، إما العير ، وإما النفير . . فلما أفلتت منهم العير ، لم يبق إلا النفير والحرب . . فهذا حق مستيقن لهم ، لا خفاء فيه . ولكن يقوم إلى هذا الحق ، تلك الرغبة القوية التي كانت مستولية على المؤمنين من قبل ، وهي الاستيلاء على العير ، وذلك شأن النفس دائما حين يكون خيارها بين أمرين ، أحدهما محبوب ، والآخر مكروه . . فإنها حينئذ لا تلتفت إلى غير المحبوب ، حتى ليصبح المكروه عندها كأنه غير مفترض أصلا ، فتنساه ، أو تتناساه . . فإذا فاجأها هذا المكروه الذي أخرجته من حسابها وتقديرها ، كان وقعه شديدا عليها ، حتى لكأنه حدث طارئ لم تكن تتوقعه . . ومن هنا يكون إنكارها أو تنكرها له . ولهذا جاء قوله تعالى :
« كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ »
- جاء كاشفا عن تلك الحال التي استولت على بعض المؤمنين ، الذين وجدوا أمر القتال ثقيلا باهظا ، حيث تمثلت لهم مصارعهم ، وشهدوا الموت عيانا . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد هذه الآية :
« وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ »
.
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 569 | عبد الكريم الخطيب