من مصر ، وأخرجهم منها على غفلة من أعدائهم
إِنَّكُمْ
بعد خروجكم من مصر
مُتَّبَعُونَ
يتبعكم فرعون وجنوده ، إن علموا بخروجكم ليقتلوكم ، فإذا قربوا منكم ، ووصلتم إلى بحر القلزم ، فاضرب بعصاك البحر فينفلق ،
وجاوز ببني إسرائيل البحر
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ
حال كونه
رَهْواً
وساكنا على هيئته بعد ما جاوزته ، ولا تضربه بعصاك لينطبق .
وقيل : إنّ الرّهو الفرجة الواسعة « 1 » . والمعنى : اتركه حال كونه ذا فرجة واسعة حتى يدخله القبط
إِنَّهُمْ
إذا
جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
في البحر ، لانطباق الماء عليهم بعد دخولهم فيه .
ثمّ فعل موسى عليه السّلام ما أمره اللّه من إخراج قومه من مصر ليلا ، فاتّبعه فرعون وجنوده ، فأدركهم الغرق فغرقوا و
كَمْ تَرَكُوا
وكثيرا أبقوا في الدنيا ما حصّلوه في مدّة أعمارهم
مِنْ جَنَّاتٍ
وبساتين كثيرة الأشجار
وَعُيُونٍ
وأنهار كثيرة الماء المنشعبة من النّيل ،
على ما قيل « 2 »
وَزُرُوعٍ
من الحبوب والثمار
وَمَقامٍ كَرِيمٍ
ومحافل مرتّبة ، ومنازل مستحسنة ، أو منابر كانوا يمدحون فرعون عليها « 3 »
وَنَعْمَةٍ
ونضارة عيش
كانُوا فِيها فاكِهِينَ
ومتنعمّين ومتلذّذين
كَذلِكَ
السلب سلبناهم إياها ، ومثل ذلك الخروج أخرجناهم منها
وَأَوْرَثْناها
وملّكناها
قَوْماً آخَرِينَ
ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء ، وهم بنو إسرائيل الذين كانوا مستعبدين في أيديهم أذلّاء بينهم .
[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 29 ]
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 )
ثمّ بيّن سبحانه هوان القبط عليه ، وعدم اكتراثه بهلاكهم بقوله :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ
بعد هلاكهم
السَّماءُ وَالْأَرْضُ
قيل : هو كناية عن عدم الاعتداد بوجودهم « 4 » .
وقيل : هو من التهكّم والسّخرية ، حيث إنّهم كانوا يستعظمون أنفسهم ، ويتخيّلون أنّهم إذا ماتوا بكت السماء والأرض عليهم ، فأخبر اللّه أنّهم ما كانوا في القدر والشأن بهذا الحدّ الذي كانوا يتخيّلون لأنفسهم ، بل كانوا أدون من ذلك « 5 » .
وقيل : إنّ المعنى فما بكت أهل السماء وأهل الأرض من المؤمنين عليهم ، بل كانوا مسرورين بهلاكهم « 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 27 : 246 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 411 .
( 3 ) . تفسير الرازي 27 : 246 .
( 4 ) . تفسير أبي السعود 8 : 63 ، تفسير روح البيان 8 : 413 .
( 5 ) . تفسير الرازي 27 : 247 .
( 6 ) . تفسير الرازي 27 : 247 .