ثمّ حكى سبحانه عنهم الاعتراض على الرسالة ودعوى نزول القرآن من اللّه بقوله :
وَقالُوا
جهلا بملاك الرسالة ، وخطأ في تطبيق العظمة عند اللّه على العظمة عند الناس :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ
إن كان منزلا من اللّه
عَلى رَجُلٍ مِنَ
أهالي إحدى
الْقَرْيَتَيْنِ
مكة والطائف
عَظِيمٍ
عند الناس بالمال والجاه ، كالوليد بن المغيرة المخزومي الساكن في مكّة ، وعروة بن مسعود الثقفي الساكن في الطائف .
وقيل : إنّ المراد من الرجل خصوص عروة بن مسعود ، فانّه كان يسكن كلتا القريتين ، حيث إنّه كان في الطائف بساتينه وضياعه ، وفي مكة تجارته وأمواله ، ولذا كان يتردّد إليهما « 1 » ، ويحسب من أهلهما .
وحاصل المراد - واللّه أعلم - أنّ الرسالة منصب جليل عظيم لا يليق به إلّا العظيم بين الناس ، وهو من له جاه ومال كعروة والوليد ، لا محمد فانّه ليس له مال ورئاسة ، فهو كاذب في دعوى الرسالة ونزول القرآن عليه .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 32 ]
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 )
ثمّ ردّ سبحانه اعتراضهم بإنكار قابليتهم للرأي والتكلّم في المناصب الإليهة من النبوة والإمامة بقوله :
أَ هُمْ
مع ضعف عقولهم وغاية عجزهم وقصورهم
يَقْسِمُونَ
بين الناس
رَحْمَتَ رَبِّكَ
وفضله بالنبوة والإمامة ، ويضعونها حيث شاءوا ؟ لا واللّه هم أعجز وأحقر من أن يتصرّفوا في تفضّلاته الدنيوية ، ويقسّموا نعمه الظاهرية ، بأن يفقروا الغني ، ويغنوا الفقير ، ويعزّوا الذليل ، ويذلّوا العزيز
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
وأرزاقهم
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ومدّة أعمارهم فيها
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ
في الرزق وسائر النّعم
فَوْقَ بَعْضٍ
إلى
دَرَجاتٍ
كثيرة متفاوتة حسبما تقتضيه الحكمة ، فمن ضعيف وقويّ ، وفقير وغنيّ ، ووضيع وشريف ، وجاهل وعالم ، وغبيّ وذكيّ
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً
في مصالحهم
سُخْرِيًّا
ذليلا ومطيعا ، ولو سوّينا بينهم في جميع الأمور لم يصر أحد مسخّرا لغيره ، ولم يخدم أحد غيره ، فيختلّ نظام العالم ، وينتهي إلى خرابه
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ
ورسالته ، وما فيه سعادة الدارين
خَيْرٌ
وأفضل لأهلها
مِمَّا يَجْمَعُونَ
الناس من الحطام الدنيوية الزائلة ، وإنّما العظمة المعتبرة في إعطاء تلك الرحمة العظيمة ، هي عظمة النفس بالصفاء والنورانية ،
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 365 .