تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
قيل : إنّ البلاء موكّل بالمنطق « 1 » . ثمّ لمّا سمع الإخوة ذلك الكلام من أبيهم ، وكانوا يعلمون أنّ الخوف أقوى السّببين لامتناعه من الإجازة ، اقتصروا على دفعه و
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ
بيننا
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
ورجال أقوياء حافظون له
إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
وهالكون ضعفا وعجزا ، أو مستحقّون للهلاك لعدم الخير في حياتنا ، أو لأن يدعى علينا بالخسار والدّمار ، أو مغبونون بترك حرمة الوالد والأخ . قيل : لمّا رأى يعقوب إلحاح بنيه في إخراج يوسف معهم إلى الصّحراء ، ومبالغتهم بالعهد واليمين ، ورأى ميل يوسف إلى التفرّج والتّفريح « 2 » ، رضي بالقضاء وأذن لهم في إخراجه معهم ، فأمر أن يغسل بدن يوسف في طست كان أتى به جبرئيل إلى إبراهيم حين مجيء الفداء ، فأجرى فيه دم الكبش ، وأمر أن يرجّل شعره « 3 » ويدهن بدهن إسماعيل الذي جاء به جبرئيل من الجنّة ، وأن يكحل ففعلوا « 4 » . وروي أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا القي في النّار وجرّد عن ثيابه ، أتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنّة فألبسه إيّاه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق ، وإسحاق إلى يعقوب ، فجعله يعقوب في تميمة « 5 » وعلّقها في عنق يوسف . ثمّ شايعه إلى شجرة كانت على باب كنعان تسمّى بشجرة الوداع ، فضمّه إليه وودّعه وبكى بكاء شديدا ، فقال يوسف : لم تبكي يا أبة ؟ فقال : حزنا على فراقك ، وما أدري إلى ما تصير عاقبة أمرك . ثمّ قال : يا بني أوصيك بأربع ، فاجعلها نصب عينيك : يا بني ، لا تنس اللّه على كلّ حال ، فإنّه لا قرين خير من ذكر اللّه وشكره . وإذا وقعت في بليّة فاستعن باللّه . وأكثر من قول : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فإنّه لمّا القي جدّك خليل اللّه في النّار قاله ، فدفع اللّه عنه ضرّ أصحاب نمرود وشرّهم ، وما أصابه حرّ النّار ، يا بني لا تنسني فإنّي لا أنساك . ثمّ بالغ في الوصيّة بحفظه إلى بنيه « 6 » . وعن السّجاد عليه السّلام : « لمّا خرجوا [ به ] من منزلهم لحقهم أبوهم مسرعا فانتزعه من أيديهم ، فضمّه إليه واعتنقه وبكى ، ثمّ دفعه إليهم » « 7 » .
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ
وهم يحملونه على عواتقهم ، ويعقوب عليه السّلام ينظر إليهم ويبكي ، فأسرعوا في المشي مخافة أن يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم ، فلمّا بعدوا عن العيون تركوا وصايا إبيهم ، فألقوه على الأرض وقالوا : يا صاحب الرّؤيا الكاذبة ، أين الكواكب التي رأيتهم لك ساجدين حتّى يخلّصوك من أيدينا اليوم ؟ قيل : لمّا حكى يوسف رؤياه سمعها بعض أزواج إخوته ، فحكتها لهم ، فاطّلعوا على
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 18 : 97 ، تفسير روح البيان 4 : 222 . ( 2 ) . في تفسير روح البيان : والتنزه . ( 3 ) . رجل شعره : سوّاه وزيّنه وسرّحه . ( 4 ) . تفسير روح البيان 4 : 222 . ( 5 ) . التّميمة : ما يعلّق في العنق لدفع العين . ( 6 ) . تفسير روح البيان 4 : 222 . ( 7 ) . تفسير العياشي 2 : 335 / 2077 ، علل الشرائع : 47 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 8 .