الآيات إلا رب السماوات والأرض بصائر ، أي آيات مبصرة ، وبصائر جمع بصيرة ، أي من شأنها أن تبصر من له بصيرة ينظر فيها بعين قلبه متذكرا متدبرا مؤمنا مذعنا غير متمرد ، وقد يقال : كيف يعلمها وينكرها كافر به وبأنعمه ؟ والجواب عن ذلك أنه علم ولم يذعن لقوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ . . .
( 14 ) [ النمل ] ، من شأنها أن تلقى باليقين في نفس كل من يراها ، ولكن ألقت في نفوسهم بالجحود ، والجحود يزداد قوة كلما قويت أسباب العلم .
وقرأ علي بن أبي طالب علمت بضم التاء على أنها للمتكلم ، والمعنى على هذه القراءة لقد علمت أنا بأنها نزلت من رب السماوات ، والبصائر منيرة للحق ، ومعجزات مثبتة للحق ، وحسبي اللّه تعالى شاهدا بها ، وأما أنت يا فرعون فقد قدمنا الحجة ، ولك أن تؤمن ، وإن كفرت فالإثم عليك ، ولذا ختم موسى عليه السّلام بقوله :
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
، أي هالكا وملعونا وناقص الإدراك ؛ والثبور الهلاك والمنع من الخير ، يقال ثبره اللّه تعالى يثبره ثبرا ، أي أهلكه ومنعه .
وهنا نلاحظ أن قوله :
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ
المراد بالظن العلم المحقق ، وعبر عن العلم بالظن مجاراة لما جاء عن فرعون ، وقد أكد هذا العلم أولا ب ( إن ) ، وثانيا ب ( اللام ) ، وذلك بالقسم .
ويلاحظ أنه ناداه باسمه لأنه إذا كان فرعون قد استعلى بجبروته فموسى قد أعلاه اللّه تعالى بمقام الرسالة ، فحق له أن يخاطبه باسمه الصريح ، وألاحظ أن فراعنة هذا الزمان الذين مات آخرهم قريبا كان يظن نفسه أكبر .
زادت فرعون الآيات الحسية عتوا في الأرض وفسادا ، ولم تقنعه ، وكذلك لم تقنع أشباه فرعون من طواغيت ملكه ، ولقد خرج فرعون عن عهده ، فحاول إخراج موسى وبني إسرائيل بزيادة طغيانه عليه ، ولذا قال تعالى :
فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً
( 103 ) .
( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه ترتب على إيتاء موسى الآيات التسع التي أقام بها الحجة أمام فرعون ، ترتب عليها أن اشتد طغيان