تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4473

مساهمون:

ص٤٤٧٣
بعد أن بين اللّه تعالى أن المعجزة الحسية لم تجد مع من سبقوهم ، وضرب مثلا بفرعون وكيف زادته الحجة الحسية التي كثر عددها حتى صارت تسعا لما تزده إلا إعناتا واستمرارا في غيه ، وهم يقلدون فرعون في طغيانه ، فاتخذوه أسوة لهم في كفره بالآيات التسع ، وليقصدوا القرآن ، فهو حجة اللّه تعالى الخالدة إلى يوم القيامة ، ولذا قال تعالى :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
( 105 ) . أي بالحق وحده نزل ، وأفاد القصر ، هو تقديم الجار والمجرور على الفعل أنزلناه ، أي أنزلناه من عندنا بالحق حكمة ثابتة أردناها ، فإن كل معجزة تكون مناسبة لرسالة الرسول ، ولما كانت رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم للناس أجمعين ، وهو خاتم النبيين فناسب أن تكون معجزة ليست حادثة تقع ، ثم تنقضى بانقضاء زمانها ، بل تبقى خالدة باقية تتحدى الأجيال إلى يوم الدين ، فاللّه تعالى هو الذي اختار بحكمته لنبيه هذه المعجزة ، وهذا كقوله تعالى :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( 166 ) [ النساء ] ،
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
يفيد الاختصاص ، أي نزل مشتملا على الحق لا بعضه ، فقد اختاره اللّه معجزة لمحمد بالحق ، وللحكمة العالية التي قدرها رب العالمين ، وهو وحده الذي يشتمل على الحق من بين الكتب السماوية ، فهو مهيمن عليها يبقى منها من يستحق البقاء ، وينهى ما يبقى من أحكام نسخها ، كالتي كانت فرضت على بني إسرائيل تهذيبا لنفوسهم ، وفطما لشهواتهم . وإذا كانت معجزة القرآن هي التي اختارها سبحانه لك ، فما عليك إذا لم يؤمنوا بها ، وما عليك إذا لم يهتدوا إذا قام الدليل ، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ، أي مبشرا للمؤمنين الذين آمنوا بالحق واهتدوا ، ومنذرا للذين كفروا وأصموا آذانهم عن الحق ، وعميت أبصارهم عن رؤيته ، وضلت أفئدتهم سواء السبيل .