كان الكلام من اللّه تعالى ؛ لأنه ذكر لحقائق الوجود ، ولطبائع الأشياء والخلق والتكوين فلما اتجه سبحانه إلى بيان الطبائع الإنسانية أمر من وجب عليه التبليغ أن يبلغهم طبائعهم ، فقال عزّ من قائل :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي . . .
، قل لهم يا رسولي إليهم لو كنتم تملكون خزائن رحمة اللّه إذا لأمسكتم ، أي إنكم تضيقون على أنفسكم دائما ولا توسعون في مدارككم وتفكيركم ، فلو أنتم بهذا التفكير الضيق تملكون أو تسيطرون على خزائن رحمة اللّه على أصحابها كما ضيقتم عقولكم ، ومدارككم وتفكيركم ، وخزائن رحمة اللّه هي الرزق والصحة ، والقوة ، وكل ما ينعم اللّه به تعالى على عباده ، وقوله :
إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
، أي إذا كان ذلك لأمسكتم ، و ( اللام ) هي الواقعة في جواب
إِذاً
، أي أمسكتم على الناس ما رزقوا من رحمته
خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
، والإنفاق هنا معناه الافتقار بمعنى الإملاق ، كقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ . . .
( 31 ) ، أي إنكم تبخلون حتى في مال غيركم ، وتمنعون أصحاب الحقوق من حقوقهم ، ثم قال تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
، أي بخيلا ، لأنه يطلب دائما المعاوضة ، وهو بالخير ضنين ، وإنه يشعر بالاحتياج دائما ؛ لأنه بالنسبة للدنيا يخشى النفاد ، ويحرص على أن يبقى لنفسه في كل الأزمان ، وهو لا يحض على طعام المسكين خشية الفقر ، وهذا في طبع الإنسان ، ولكنه لا يمنع أن المؤمنين منهم الجواد السخى الذي يعطى المال على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، ولذا قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ
( 22 ) [ المعارج ] ، وإن الإنسان إذا لم يهذبه دين الحق ، ولا مجتمع فاضل يبدوا فيه أمران : حرص شديد ليحفظ لنفسه في عزمه نفقته في القابل ، وخوف الفقر ، حتى تتحقق الحكمة : « الناس من خوف الفقر في فقر » فهم فقراء في ذات أنفسهم إذا خافوا الفقر ، وإن هذا النص الكريم يدل على أمور ثلاثة :
الأمر الأول : أن خزائن رحمة اللّه تعالى لا تنفد تشمل البر والفاجر ، وتعم الغنى والفقير ، والقادر والعاجز .