ومعنى قوله :
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
أنهم يكونون في عماء من أمورهم ، ولا يسمعون ما تطيب به نفوسهم ، ولا يتكلمون بحجة فهم يصيبهم العمى والصمم والبكم ، كما عموا عن الحق فلم يبصروه ، وعن الاستماع إليه ، وعن النطق .
ويقول البيضاوي في معنى ذلك :
« لا يبصرون ما تقرّ به أعينهم ، ولا يسمعون ما يلذ لهم سماعه ولا ينطقون بما يقبل منهم ؛ لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر ، وتصاموا عن استماع الحق ، وأبوا أن ينطقوا بالصدق » وقد نقله عن الكشاف ، وهذا كقوله تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 )
وقد بين سبحانه الغاية من حشرهم ، وهو أن يصلوا إلى مأواهم ، فقال :
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
.
أي أنهم يسكنون جهنم ، والتعبير بالمأوى ، وهي عادة موضع القرار والاطمئنان فيه تهكم بهم لأن جهنم لا تكون موضع استقرار واطمئنان بل تكون موضع قلق وآلام .
وإن العذاب فيها مستمر ،
كُلَّما خَبَتْ
، أي سكنت أو أطفئت لاستغراقها كل العظام ولحومهم
زِدْناهُمْ سَعِيراً
وبدلناهم جلودا غيرها ، كما قال تعالى :
. . . كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها . . .
( 56 ) [ النساء ] .
وقد بين اللّه تعالى سبب ذلك العذاب الأليم المباشر ، وغير المباشر فقال :
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
( 98 ) .
« ذلك » إشارة إلى ما مضى من جزاء المشركين أنهم يحشرون منكسى الوجوه لا يبصرون ما يلذ لهم أن يبصروه ، ولا يسمعون ما يطيب لهم سماعه ، ولا ينطقون بما يدفعون له عن أنفسهم ، ومأواهم جهنم يذوقون العذاب فيها دفعة بعد