وإما أن نقول : إن شهيدا معناه شاهد ، للفصل بيني وبينكم ، وحاسمة لخلافكم ، والشاهد حاكم ؛ لأن الحكم يبنى على شهادته ، كما قال علي كرم اللّه وجهه : إنما قتلك شاهداك .
والمعنى على ذلك إنما يشهد اللّه وحده فيما بيني وبينكم ، وإن شهادة اللّه تعالى هي المحكّمة ، ولذا قال سبحانه :
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
، أي عليما علما دقيقا ، و
بَصِيراً
علم من يبصر ، فيعرف ما يصلح لكم وما لا يصلح ، ومن يكون رسولا ومن لا يكون وهو على كل شئ قدير .
ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
( 97 ) .
بعد أن بين سبحانه أن شهادته كافية لصدق الرسول ، وصحة معجزته في الدلالة على نبوته ، أشار سبحانه إلى أنه قد قام الدليل ، وما بقي إلا أن يسير المهتدى في ضوئه ، ويتردى الضال في مهواة الضلالة
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
.
( الواو ) عاطفة جملة على جملة ، كانت الأولى بمثابة مقدمة الدليل للثانية ، ومعنى
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
، أي من اهتدى بنور الحق ، وسار في طريقه ، فهو المهتد حقا وصدقا وهو البالغ الكمال في الهداية ، والآخذ بالرشاد ، والسالك طريق النجاة ، وقد عبر عن هداية المهتدى بقوله تعالى :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ
، أي من سلك سبيل الحق مستقيما فإن اللّه يهديه ، فهداية الله تعالى ليس معناها الإجبار على الهداية ، وإلا ما كان الجزاء الوفاق ، فإنه لا جزاء إلا مع الاختيار ، وإن المهتدى يكون مختارا في ابتداء السير ، ثم أخذه في النهاية إلى الطريق الموصل للغاية بلطف اللّه تعالى وتوفيقه ، ثم قال سبحانه :
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ
الإضلال ليس معناه الإجبار على الضلال ، وإلا ما ساغ العقاب بعد