تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4408

مساهمون:

ص٤٤٠٨
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، فأوحى إليه قد سمعت الذي قالوا ، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا ، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب ، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة ، وإن شئت أن تستأنى بقومك استأنيت بهم ، قال : « يا رب استأن بهم » « 1 » . وقد ختم اللّه سبحانه الآية بقوله :
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
، أي أنه مسجل في اللوح المحفوظ كما أشرنا من قبل ، لقد تبين من هذا أن المشركين كانوا يطلبون آيات حسية كآيات النبيين السابقين كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى ، وكإخراج الموتى من القبور أيضا ، وقد أجابهم اللّه تعالى بأنه أنزل هذه الآيات ، ومع ذلك لم يؤمنوا ، وإن هذه الآيات لا تبقى بقاء المعجزة الكبرى ، وهي القرآن الكريم التي ما زالت تغالب كل باطل ، وتؤيد كل حق ، ولذا قال تعالى :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
( 59 ) . المنع هنا هو الترك ، وهو لازم لمنع ، فأطلق الملزوم ، وأريد لازمه وما أحد بمانع رب البرية أنى هو ترك ، لحكمة أرادها ، وأمر قدره ، وهو أنه يعلم - وهو علام الغيوب أن الآيات الحسية لا يؤمنون بها كما لا يؤمن بها من سبقهم ، ولأن الآيات الحسية ، كحاصب من السماء ، أو خسف أو ريح صرصر ينقضى بعد ساعته ، ويكون خبرا من الأخبار ، ولو أن القرآن سجل معجزات عيسى وموسى ونوح وإبراهيم ما علم بها أحد علما متواترا من غير تحريف . وقوله تعالى :
أَنْ نُرْسِلَ
مصدر منسبك من « أن » وما بعدها في المفعول للمنع ، وقوله تعالى :
إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
وهم الذين نزلت إليهم ، و « أن » وما بعدها في مصدر منسبك في موضع الفاعل للمنع ، وقد علمت أن المنع أريد به الترك وإنما عبر بالمنع ولا يوجد من يمنع ؛ للإشارة إلى أن الحكمة التي أرادها رب
هامش
( 1 ) هذه رواية أحمد عن ابن عباس : مسند بني هاشم - بداية مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ( 2217 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4408 | محمد أبو زهرة