عاصمك من الناس كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . . .
( 67 ) [ المائدة ] .
ويفسر الزمخشري الناس بأنهم أهل مكة ، والإحاطة الإهلاك ، وقد بلغ اللّه نبيه يوم بدر بأن يهلكهم ، ويفسر الرؤيا المنامية بأنها رؤياه أنه مهلكهم في هذه الغزوة ، وأنه إن لم يهلكهم بالإبادة فقد أضعف سلطانهم ، وقد قال في ذلك :
« واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك
أَحاطَ بِالنَّاسِ
، أي بقريش ، يعنى بشرناك بوقعة بدر ، وبالنصرة عليهم ، وذلك قوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
( 45 ) [ القمر ] ،
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ . . .
( 12 ) [ آل عمران ] وغير ذلك ، فجعله كأنه قد كان وجد ، فقال أحاط بالناس على عادته في إخباره ، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم في العريش مع أبي بكر رضى اللّه عنه كان يدعو ويقول : « اللهم إني أسألك عهدك ووعدك » « 1 » ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس إلى آخر ما جاء في أخبار بدر » .
وخلاصة تفسير الإمام الزمخشري أنه يفسر الناس بأهل مكة ، وأن الرؤيا رؤيا منامية ، وأنه رؤيا النبي صلى اللّه عليه وسلم التي رآها عندما التقى الجمعان في يوم الفرقان ، وأن الهلاك ذهاب شوكة المشركين ، وإن أخبار القرآن الكريم تكون عن وقائع المستقبل كأنها وقعت الآن ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أخبر بذلك عندما اشتد أذاهم وإثباتهم ، وكانت الفتنة في أنهم كذبوا .
ونحن مع إجلالنا لمقام الإمام الزمخشري في البيان لا نرى رأيه .
أولا : لأنه تأويل بعيد ، ولأنه لا تكون فتنة ، ولم يحدث كفر لهذه المناسبة .
ثانيا : لأن الأصل إطلاق العام على عمومه ، حتى يقوم دليل أو قرينة على إرادة التخصيص .
هامش
( 1 ) رواه البخاري : الجهاد والسير - ما جاء في درع النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 2699 ) ، وأحمد : مسند بني هاشم ( 2885 ) .