تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4407

مساهمون:

ص٤٤٠٧
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
( 58 ) . « إن » هنا نافية ، و « من » لاستغراق النفي ، والقرية : المدينة العظيمة التي يبعث فيها الأنبياء ، والحصر في الهلاك قبل يوم القيامة ، أو العذاب في يوم القيامة ، إنما هو في القرية الظالم أهلها الذين يكفرون بالنبيين ، والهلاك هو اجتثاثهم في الدنيا بخسوف تجعل عاليها سافلها كما فعل بقوم لوط ، أو بريح صرصر عاتية ، كما فعل بعاد وثمود ، أو بالغرق كما فعل بقوم فرعون وملئه ، وغير هؤلاء ، هذه هي الحال التي يكون فيها الاستئصال وقطع الدابر ، وذلك يكون قبل يوم القيامة . الحالة الثانية أن يتركوا في الدنيا يعصون ويفسدون ويرتكبون المآثم ، وأولئك لا يهلكون في الدنيا ، ولكن يعذبون في الآخرة عذابا شديدا ،
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
والكتاب هو اللوح المحفوظ الذي يسجل فيه ما يقضى به بين عباده . وإن هذا التنويع لحكمة اللّه تعالى وتقديره ، فإنه إذا كانت الدعوة خالدة باقية ، وهي دعوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم استأنى بهم لأن فيهم الطائعين ، وليسوا قليلين ، وفيهم من طغى وبغى ، وفي ذرية الذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم من كانوا مجاهدين كعكرمة ابن أبي جهل ، وكخالد بن الوليد ، وغيرهم ممن كان لهم في الجهاد باع مشهور ، وقوله :
إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها
أو
( مُعَذِّبُوها )
فيها تنوع حالهم ،
أَوْ مُعَذِّبُوها
و « أو » مانعة خلو ، لا مانعة جميع ، فكان منهم من أهلكوا قبل يوم القيامة ومن عذبوا بعدها ، وأمة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم لم يهلكها اللّه بعاصف يقتلعها من الأرض ، ولكن أهلك العصاة لينالوا عذاب الآخرة .