تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4382

مساهمون:

ص٤٣٨٢
القفو معناه التتبع ، وأصله ما يؤدى إلى الكذب أو القذف أو البهتان ، ومنه القائف وهو المتتبع للآثار ، وأصله القياس وهو العلم بالحدس والتخمين وإلا كان كما يعبر الشافعي ، الظن الذي لا يبنى على أساس علمي ، وقد قال تعالى :
. . . وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
( 28 ) [ النجم ] . والآية تنهى عن أن يتبع ما ليس عنده أسباب للعلم به ، أو ما ينافيه العلم الصحيح والوقائع البينة كشهادة الزور ، وقذف المحصنات وتتبع عورات المؤمنين ليعلنها ، وقد سترها اللّه تعالى عليهم ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » « 1 » . ويقول ابن كثير بعد أن روى أقوال الصحابة في قفو ما ليس له به علم ، ومضمون ما ذكره : أن اللّه تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخبال ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ . . .
( 12 ) [ الحجرات ] ، وإن تتبع الأمور من آخذ العلم من غير مظانه يحل عرى العقل ، حتى يتوهم ما ليس بحق ، ويفترى ما لم ير ، ولم يسمع ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن أفرى الفرى أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا » « 2 » ، وإن نتيجة قفو الإنسان والحكم بغير علم يؤدى إلى ما ذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم من أن يرى عينيه ما لم تريا بعين خياله ، وإن ذلك هو الخبال ، وقد سمعنا في مصر منذ بضع سنين شائعة بين الناس أشاعها النصارى أنهم رأوا صورة العذراء ، وادعوا أنهم رأوها ، وما رأوها . وإن اتباع الأوهام يجئ دائما من أن يقفو الرجل ما لم يكن عنده أسباب العلم به ، فيتخيل ثم يخال ، وذلك هو الخبال ، وكذلك تنشأ العقائد الباطلة من عبادة الأوثان ، والتثليث ، وغير ذلك من العقائد الباطلة التي تنشأ من الأوهام وأن يرى العين ما لم تر ، فذلك هو الضلال المبين .
هامش
( 1 ) رواه أحمد : مسند المكثرين ( 5285 ) . ( 2 ) رواه أحمد - مسند المكثرين ( 5453 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4382 | محمد أبو زهرة