مهما يتفاخر فهو قمىء « 1 » لا يقدر على شئ مهما يعط نفسه من فخار ، وكأن في الكلام تشبيها لحاله بحالة من يحاول أن يخرق الأرض بقوته أو يعلو إلى السماء بغروره ، وإن ذلك مستحيل فكذلك ما يزعمه لنفسه مستحيل .
وإن هذا من الكبر والخيلاء ، وهما يؤذيان الناس ولا ينفعان صاحبهما ، ولقد قال النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم : « من تواضع لله رفعه » « 2 » فهو في نفسه حقير وعند اللّه كبير ، ومن استكبر وضعه اللّه فهو في نفسه كبير وهو عند اللّه حقير .
وإن الكبر يسئ إلى الناس ؛ لأن المتكبر يستعلى عليهم ويضيع حقوقهم ، ولا يباليهم ولا يحس بإحساسهم ويشمخ بنفسه كأنه فوق التبعة ، ولا يسأل عن فعله وحاله ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « الكبر بطر الحق ، وغمط الناس » « 3 » .
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
( 38 ) .
الإشارة إلى المذكور قريبا هو المشي مختالا مرحا معجبا بنفسه ،
سَيِّئُهُ
يقرأ بالضمير أي يسوء في ذات نفسه ويسئ لغيره وهو عند اللّه مكروه مبغوض ، فيلتقى فيه أمران مذمومان :
الأمر الأول : أنه في ذاته عمل سيئ ويسوء الناس .
والأمر الثاني : وهو الأهم : مكروه مبغوض عند اللّه تعالى .
إن الكبر ينبعث من إحساس بأنه أوتى ما لم يؤت غيره .
وإننا نشاهد ذلك في بعض المنتسبين للعلم ، إذ أعطوا لأنفسهم مكانا ليس لهم أو اتصلوا بالحكام الظالمين ، وقد رأينا ذلك في عصرنا ، ورأيناه يذكر عمن كانوا قبلنا ، قال الناصر أحمد الذي مات في القرن السابع ، فقد قال في قوله
هامش
( 1 ) القمىء : الذليل الصغير حجما أو قدرا . القاموس المحيط ( ق م أ ) .
( 2 ) رواه مسلم : البر والصلة والآداب ( 4689 ) ، كما رواه الترمذي وأحمد ومالك والدارمي .
( 3 ) سبق تخريجه .