تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
: وفي هذا من التهكم والتقريع لمن يمشى هذه المشية كفاية في الزجر عنها ، وقد حفظ اللّه عوام زماننا عن هذه المشية ، وتورط فيها بعض قراؤنا وفقهاؤنا ، فبينما أحدهم قد عرف مائتين أو أجلس بين يديه طالبين ، أو شد طرفا من رئاسة الدنيا ، إذ هو يتبختر في مشيته ، ويترفع ولا يرى أنه يطاول الجبال ، ولكن يحك بيافوخه عنان السماء ، واللّه ولى التوفيق :
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
( 39 ) .
الإشارة في
ذلِكَ
إلى المذكور من الآيات من قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ . . .
إلى قوله تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
( 37 ) وإن اللّه تعالى ذكر ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ، والحكمة هي العلم النافع ، وفي هذا العلم نفع كبير ، فقد ابتدأ بتطهير العقل والنفس من أدران الشرك ، ورجس الأوثان ثم بين بناء المجتمع على دعائم الأسرة ، وعلى ألا يجعل يده مغلولة إلى عنقه ولا يبسطها كل البسط ونهى عن الإسراف وما من إسراف إلا ووراءه حق مضيع ، ثم طهر المجتمع من أوزاره فنهى عن الفحشاء ، وقتل النفس أو قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، وأمر بأن تقوم العلاقة بين الناس على أساس الوفاء بالعهد ، وعلى أن يحب الإنسان لنفسه ما يحب لغيره ، وأن العلاقة على أساس المقام الذي لا اعتداء فيه هي خير وأحسن ، ونهى عن السير وراء الأوهام ، وهذه كلها علوم نافعة ؛ لأن فيها نفع الإنسان وإقامة مجتمع صالح قد حلّى بمكارم الأخلاق وخلى من ملائم الناس .
وعن ابن عباس هذه الثماني عشرة كانت في ألواح ، أولها
وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ . . .
إلى هذه الآية .
ويقول الزمخشري في الكشاف : « وسماها حكمة ؛ لأنها كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه » وأقول : لأنها معان محكمة لا تقبل النسخ بحال من الأحوال ، وقال الزمخشري أيضا : « ولقد جعل اللّه فاتحتها وخاتمتها النهى عن