تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4240

مساهمون:

ص٤٢٤٠
في المخاطر تحطه رحمة اللّه تعالى ، وهو في مأواه ، وملبسه ، ونعيمه وراحته بعد تعبه في نعم اللّه تعالى ، وهو يعرف هذه النعم ، ويعرف أنها من عند اللّه تعالى ، وبفضل منّه وكرمه ، والعرب في عصر النبوة وقبله ، كانوا أعرف الناس في جيلهم لربهم ، فهم كانوا يعرفون اللّه تعالى الذي خلق الكون وما فيه ومن فيه وحده ، وهو الواحد في ذاته وصفاته ، ولكنهم بتسلط الأوهام يعبدون معه الأوثان ؛ ولذا قال سبحانه :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
( 83 ) . هم يعرفون اللّه ومع ذلك يشركون ، ويعرفون أنه الضار النافع ، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما وإذا كانوا في شدة لا يجأرون إلا إليه ، ويعرفون هذه النعم واحدة واحدة ثم ينكرونها فما هي هذه المعرفة ؟ إن للمعرفة مراتب ثلاث ، تبتدئ بتصور الأمور والوقائع ، ومنها النعيم فيتصور أن اللّه رازقه وخالقه ، فإذا تجاوز هذه المرتبة ، انتقل من التصور إلى الاعتقاد بالصحة ، فإذا اجتاز هذه المرحلة انتقل إلى المرحلة العليا وهي الإيمان ، والإيمان مراتب ، مرتبة التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ، ثم مرتبة الإذعان ، والخضوع لما اعتقد ثم ينتقل إلى أعلى المراتب ، وهي مرتبة العمل . وهذه هي المعرفة الكاملة ، ولقد قرر سقراط في الأخلاق أن المعرفة هي مقياس الفضيلة والرذيلة وهي المعرفة في أعلى درجاتها التي يصحبها عمل ، وكمال الإيمان تصديق وإذعان وعمل عند العلماء المدركين . وقوله تعالى :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ
يبدو أنها مرتبة المعرفة الأولى ، التصوير ، ثم التصديق من غير إيمان وإذعان ؛ ولذا ينكرونها ، أي أنهم لا يذعنون للاعتقاد بها ، وتبدو في أعمالهم ، وثم في قوله تعالى :
ثُمَّ يُنْكِرُونَها
لبعد ما بين مرتبة المعرفة والإنكار العملي ، ولقد قرر سبحانه أن أكثر الكافرين هم من هذا الصنف الذي ينكر بعمله ما عرفه بتصوره وصدقه بواقعه ؛ ولذا قال :
وَأَكْثَرُهُمُ
زهرة التفاسير — صفحة 4240 | محمد أبو زهرة