تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4237

مساهمون:

ص٤٢٣٧
حرموها يعرفون مقدار الإنعام ، وهي أفعال مختارة يريد وضع الأمور في مواضعها ، وكل شئ عند اللّه تعالى بمقدار وبميزان محكم . وقال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
، وهي الكهوف والمغارات ، وأكنان جمع كن ، وهو ما يتقى بالاستتار فيه تتبع الأعداء ، وتربص المتربصين ، كما كمن النبي صلى اللّه عليه وسلم هو وصاحبه أبو بكر في غار ثور ثلاث ليال سويا ، وكما كان صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد ، وإن هذا كله يدل على أنها أكنان ، إما استتارا للعبادة ، أو فرارا من عدو متربص ، أو كن من مطر غامر ، أو استظلال ، ولما ذا سماها اللّه تعالى أكنانا ، ولم يسمها بيوتا ؛ لأن الناس لم يتخذوها بيوتا يسكنون فيها تكون مطمأنا وسكنا لهم تسكن فيها نفوسهم ، ويطمئنون بعد تعب ومكان راحة ، لأن جبال البلاد العربية لم تكن موضع اطمئنان كالجبال الخضراء ، فلم تكن مساكن تكون لسترة حالهم ، بل كانت أكنانا للاستتار من عدو أو مطر منهمر ، أو اتقاء لحرارة الشمس أو نحو ذلك ، وإذا كان من العرب من ينحتون من الجبال بيوتا فارهين كما جاء ذلك في قصص القرآن الحكيم ، فإن ذلك لم يكن عند أهل الحجاز ونجد ونحوها . وقد منّ اللّه تعالى بما هيأهم به ومكنهم منه ، وهو ما ذكره بقوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
، و ( جعل ) بمعنى صيّر وهيأ بأن مكنكم من أن تصنعوا ذلك لأنفسكم ، و ( السرابيل ) جمع سربال وهو القميص ، وذكر أن هذه السرابيل نوعان نوع يتقى به الحر ، فلا يكون عاريا يتعرض للجو اللافح ، كما يتعرض العراة من الزنوج الذين لم يتمكنوا من قمصان يتقون بها الحر ، وقد قيل إن السرابيل يتقى بها الحر والبرد ، فكيف ذكر الحر فقط ، والجواب عن ذلك أن ذكر اتقاء الحر تستدعى لا محالة ذكر اتقاء البرد ، وإن لم يذكر بالنص فقد فهم بالاقتضاء ، وقد ذكر سبحانه الدفء من قبل في قوله تعالى ،
لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
وإجابة الزمخشري بأن ذكر الحر يناسبهم
زهرة التفاسير — صفحة 4237 | محمد أبو زهرة