دون البرد لأنهم لا يحتاجون إلى اتقاء البرد ، وعندي أن البلاد التي جوها قارى كبلاد العرب يكون بردها شديدا قارسا .
والواقع أن الكلام كله في اتقاء الحر ، فذكر الظلال والبيوت والأكنان كل هذا في سياق اتقاء الحر فكان المناسب أن يذكر في مزايا السرابيل أن تقى من الحر .
والنوع الثاني من السرابيل وهو ما يتقى به البأس ، وهو دروع الحرب ، إذ البأس هو الحرب ، كما في قوله :
. . . وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . . .
( 177 ) [ البقرة ] وأضاف سبحانه وتعالى البأس إليهم ، لأنهم في الجاهلية هم الذين كانوا يثيرونها حروبا شعواء ، تدعو إليها العصبية الجاهلية ، وتدفع الحمية غير المدركة العاقلة كحرب البسوس ، وعبس وذبيان ، وغيرهما مما كانوا يثيرونه من حروب ، فلم تكن حروبا عادلة ؛ ولذا أضيفت إليهم .
وإن هذه النعم كلها بتسخير هذه الأمور لهم ، وتهيئتهم بالفطرة لها ، وإن نعم اللّه تعالى لا تخص ، وختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالت حكمته :
كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
، أي كذلك التي هيأ سبحانه وتعالى لكم ومكنكم ، وهداكم بفطرتكم إليه من جعل بيوتكم سكنا ومطمئنا ، وعن اتخاذكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم وإقامتكم ، ومن اتخاذكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، أثاثا يكون زينة ومتعة ، ومن اتخاذكم الظلال مما خلق ، ومن جعل البيوت ومن اتخاذكم السرابيل والدروع .
كذلك الذي هيأ لكم تكون نعمه الكلية عليكم دائما
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
، أي تسلمون وجوهكم للّه تعالى ، وتتركون عبادة الأوثان لهذه النعم المتوالية عليكم ، وأفرد سبحانه النعمة ، وهي متعددة لأن المفرد المضاف يعم ، ولأنها واحدة باعتبار مصدرها ، وهو اللّه سبحانه وتعالى .
وقال تعالى بعد ذلك :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( 82 ) .