لبيان أنهم محاسبون على كل ما يفعلون ، وأن اللّه تعالى عنده علم كل شئ ، وأسند السؤال إليه سبحانه ؛ لبيان جلال الأمر ، وعظم ما يرتكبون ، وإن كانوا يلهون ويلعبون بما يفعلون ، فاللّه لا يتركهم ، وما اللّه بغافل عما يعملون .
قال اللّه تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 94 إلى 99 ]
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 )
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
ابتدأت الدعوة المحمدية بإعلانها بين أهل النبي صلى اللّه عليه وسلم فكان أول من آمن خديجة ، ثم علي بن أبي طالب ، ثم زيد بن حارثة ، ثم بين أصدقائه الذين يعرفون أمانته وفضل خلقه ، وعظمة نفسه كأبي بكر ، ثم أصدقائه كعثمان ، وهكذا نبتت في خفاء كما نبتت البذرة في ركن مستور مغشى بلباب ، حتى أمر اللّه نبيه أن يجهر وسط عشيرته فقال :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) [ الشعراء ] ؛ فجمعهم وأنذرهم ومنهم من ردوا سيئا كأبى لهب ، ولكن العبادة كانت في خفاء لا يخرج المؤمنون جهارا ، والإيذاء مع ذلك يتوالى ، حتى دخل بعض الأقوياء بأشخاصهم فوق شرفهم النسبي كحمزة بن عبد المطلب والفاروق عمر بن الخطاب ، فكان الجهر وتلقى الأذى بالمجاهرة ونزل قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
( 94 ) .
اصدع ، معناها اجهر بما تدعو إليه مأمورا به ، ولا تبال أحدا ، وأعرض عنهم ، والصدع شق الشئ الصلب وتفريق أجزائه ، أو الوصول إلى ما وراءه ولا