وإني أميل إلى هذا ؛ لأنه يتفق مع بيان القرآن لهؤلاء المقتسمين ، فقد قال تعالى في تعريفهم :
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
( 91 ) .
عِضِينَ
جمع عضة والمعنى صار أجزاء مفرقة هي باطلة في ذاتها ، وهي تفرقة في أمر لا يقبل التجزئة قط وهو جمع ، و ( عضون ) جمع سالم على غير القياس ، والواحد كما ذكرنا عضة ، أي قسما مفرقا من قولهم عضيت الشئ تعضية إذا فرقته ، وكل فرقة عضة .
والمعنى أن هؤلاء المقتسمين لم يأخذوا بما فيه ، ولم يعتبروا بعبره ، بل قسموه على حسب أهوائهم أقساما باطلة لا أصل لها في حقيقته فتركوا تدبره وتعرفه ، وإدراك ما فيه من إنذار وتبشير ومعرفة وحكمة ، وما فيه من أخبار السابقين ، والكشف عما يكنه الغيب بالنسبة للمستقبل ، وعكسوا أهواءهم عليه ، فجعلوها أقساما له ، وهي باطلة في ذاتها وباطلة بالنسبة للحاضر ، وبذلك كان بينهم وبينه حجابا مستورا ، نسجوه من أوهامهم فزادوا بذلك ضلالا فوق ضلالهم .
وإنهم بذلك ارتكبوا إثما مبينا ، وحجبوا أنفسهم عن النور ، وإن اللّه سبحانه وتعالى سيحاسبهم على ذلك حسابا عسيرا ؛ ولذلك قال تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 93 ) .
( الفاء ) للدلالة على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، أي أنه ترتب على اقتسامهم للقرآن ، وجعله متفرقا في زعمهم الباطل ، وإيغالهم في الشرك والفساد إيغالا أضل عقولهم وأقوالهم وأعمالهم أن أقسم اللّه بربوبيته ، ليسألن عما كانوا يعملون ، وكان القسم بقوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ
للإشارة إلى أن ذلك من الحياطة لرسالتك وجزاء اقترافهم عليها وجحودهم لها .
وجواب القسم
لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
، وقد أكد سؤالهم ب ( نون التوكيد ) ، وب ( لام القسم ) ، وبكلمة
أَجْمَعِينَ
، أي أنه لا يعزب أحد عن السؤال ، وليس العقاب هو مجرد السؤال ، وإنما العقاب ما وراء السؤال من عذاب ، وذكر السؤال