تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4112

مساهمون:

ص٤١١٢
وقد عبر سبحانه عن لين الجانب والرفق وتقريب القلوب وإدنائها بقوله :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ
وذلك مجاز بالاستعارة مشهور ، فشبه سبحانه وتعالى حنو محمد صلى اللّه عليه وسلم على أتباعه ، بوضع الطائر أولاده بين جناحيه ، للمبالغة في الحيطة والحفظ والصيانة . وإن هذا النص السامي تصغير لما عند المشركين ، وتعظيم لمن آمن ، كقوله تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 52 ) [ الأنعام ] . وإن هذا النهى لصاحب الرسالة عن أن يمد عينيه إلى ما متع اللّه به الأقوياء وأعطاهم أزواجا متماثلة من متع الدنيا هو نهى لأمته ، وفيه بيان كيف يتدلى الحق إذا مد صاحبه العين إلى ما عليه أهل الدنيا ، فإنه هنا تكون المذلة ويكون التدنى عن مقام الحق الأعلى ، إلى المنزلة الدون أمام أهل المال والجاه والسلطان والباطل ، وهو سلطان أهل هذا الإيمان . ولقد قال القرطبي في تفسيره في التعليق على هذه الآية : « رأى القراء المخلصون من الفضلاء الانكفاف عن الذات والخلوص لرب الأرض والسماوات أولى ، لما غلب على الدنيا من الحرام ، واضطر العبد في المعاش إلى مخالطة من لا تجوز مخالطته ، ومصانعة من تحرم مصانعته ، فكانت القراءة أفضل والفرار من الدنيا أصوب للعبد وأعدل قال صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع المطر ، يفر بها من الفتن » ا ه . وأحسب أن زماننا أشد الأزمان فتنة في نفسه ، إذ تولاه الجهال ، وسيطر على الفكر الجهال ، وتولى على رئاسة العلم من يبيعون دينهم لهؤلاء الجهلاء بثمن بخس مهما تكن قيمة الدرهم والدينار ، وصح فيه ما روى بحديث قوى السند حتى ادعى تواتره : « إن اللّه لا ينزع العلم انتزاعا من قلوب العلماء ، إنما ينزع العلم بتولى جهلاء يضلون ويضلّ بهم الناس » أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم .