والغرور في الدنيا يبتدئ بتزيين الشيطان لها ، وحتى يغتروا بها ثم يكون بعد ذلك الضلال ، وقد أقسم على ذلك ولم يحنث في قسمه ، وقد ابتدأ كلامه بقوله :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
، وهو أولا نادى بقوله :
رَبِّ
شعورا بالربوبية ، وقد علمها وضل على علم ؛ لأنه لم يطع ربه وقال :
بِما أَغْوَيْتَنِي
، أي بسبب أنك أغويتني ، وسمى ترك اللّه تعالى له ليضل إغواء له ، مع أنه هو الذي اختار المخالفة والعناد ، وإن اللّه تعالى لا يهدى من اختار سبيل الشر وسار فيه .
وهكذا تجد إبليس حسد آدم ، إذ أمره اللّه تعالى بالسجود فامتنع حسدا وعنادا وحسدا ذرية آدم ؛ لأن اللّه تعالى تركه حتى غوى وضل فأراد إغواءهم ، كما غوى .
وقد أدرك إبليس أنه لا طاقة له لإغواء المخلصين منهم فقال :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) ، أي الذين أخلصوا لطاعتك ، وخلصت نفوسهم من شوائب الهوى ، وتزيين الدنيا .
وهنا نجد أن الاستثناء كان من قوله :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
فهو استثناء من مؤكد ، والاستثناء من عام مؤكد بقوله أجمعين دليلا على أن الكثرة هي التي استجابت لإغوائه ، والقلة أخلصت للّه تعالى .
وإن إبليس يذكر أن العباد المخلصين لا يغويهم ، فيقول :
هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
، الإشارة إلى الاستثناء ، وهو أنه لا يقوى على عباد اللّه الذين أخلصوا للّه تعالى ، وصاروا له تعالى وحده . والصراط المستقيم هو الطريق السوى ، أي أنه لا يضل إلا من يتبعه أما من لا يتبعه ، ويكون للّه ، فإنه لا يغويه ولا يضله ، وفي الحق أنه لا يستطيع أنه يغويه ، فإنه لا يقوى على إغوائه ، وإن كانوا كثرة .
وقد أكد اللّه تعالى أن عباده المخلصين ليس له عليهم سلطان ، فقال تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
( 42 ) .