من طين ، وفي معنى هذا إجابته في سورة أخرى
. . . أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 12 ) [ الأعراف ] وكان هذا الذكي في غفلة ؛ لأن خالق النار هو الذي أمره بأن يسجد ، وهو أعلم بمن خلق .
كان هذا تمردا ، وغرورا ، ومعارضة لما أمر اللّه تعالى ؛ ولذلك أمره اللّه تعالى بأن يخرج مذءوما مدحورا ، فقال له :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
الضمير في منها يعود إلى الجنة ، ورجيم معناها مطرود مرجوم بالحجارة ، وسجل اللّه عليه اللعنة إلى يوم الدين فقال تعالت كلماته :
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 35 ) من هنا ابتدأت المعركة بين الإنسان وإبليس اللعين ، وصارت العداوة بين عنصر الخير الملكي وعنصر الشر الإبليسى ، وقد طلب إبليس أن يؤجل إلى يوم يبعثون قال إبليس :
فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
، ( الفاء ) في فأنظرنى فاء الإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، والمعنى إذا كنت قد طردتني من رحمتك ، ولعنتني ، فأجلنى إلى يوم يبعثون لأكون أنا وهم على سواء نجازى بما ترى من جزاء .
أجابه اللّه تعالى إلى طلبه فقال تعالى :
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
( 38 ) ، ( الفاء ) أيضا تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا طلبت التأجيل ، فإنك من المؤجلين إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يوم القيامة الذي تجازى فيه كل نفس ما كسبت ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وسماه سبحانه وتعالى
الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
؛ لأنه وقت قدره اللّه تعالى ، وهو معلوم عنده ، وإن لم يكن يعلمه الناس ، ولا يجليها لهم إلا لوقتها .
أخذ إبليس المرجوم الملعون المطرود من رحمته يستعد للقيام بما أوجبه على نفسه حسدا وكبرا لآدم وذريته
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
( 39 ) أقسم إبليس لأزينن لبنى آدم ، ولأغوينهم أجمعين ، أي أنه يبتدئ بأن يزين لهم الشر ويحسنه ، وأول ( الشر ) استحسانه ، ثم يأخذهم إلى الضلال عن طريق ما يستحسنون ويشتهون ، والإغواء : الإضلال .