تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه بالقلب نفخا فيه ، وإضافة الروح إلى نفسه لما مر في ( النساء ) ، والمعنى أن اللّه نفخ من روحه هو تصوير لخلق الحياة ، وإضافتها إليه سبحانه وتعالى لأنه خالقها ومنشئها ، وليس ثمة نفخ ، وإنما هو تصوير للخلق والتكوين ، وعلى هذا يكون معنى نفخنا فيه من روحنا ، فليس فيها دلالة على أن عيسى من روح اللّه كما أن آدم ليس من روح اللّه ، وإنما هو من خلق اللّه تعالى » .
قال تعالى :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
( 30 ) توكيدان بلفظين للسجود جميعهم ، أحدهما بقوله : ( كلهم ) ، وثانيهما بقوله : ( أجمعون ) ، فقد سجدوا سجودا مؤكدا لم يمتنع منهم أحد ، وذلك لتكريم آدم ، وفي سورة البقرة بيان لسبب التكريم .
وقد استثنى اللّه تعالى إبليس من الساجدين فقال :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
( 31 ) ، والاستثناء هنا منقطع على أن إبليس لم يكن من الملائكة ، وكلهم كان مطالبا بالسجود الذي طولبوا به ، وإذا كان منهم أو داخلا في عمومهم فإن الاستثناء يكون متصلا ، وقد ظهر بهذا تمرده وشذوذه ، أما تمرده وخروجه عن الطاعة فلأنه أبى ، وقد أمر بالسجود ، وأما شذوذه ، والشذوذ ومجابهة الجموع بالباطل أساس الانحراف ، فقد أشار اللّه تعالى إليه بقوله تعالى :
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
.
خاطبه الخالق جلت قدرته قال :
يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
( 32 ) والمعنى أن رب الوجود ومنشئه سأله عن المسوغ الذي سوغ له ألا يكون مع الساجدى ، أي شئ أثبت لك وسوغ ألا تكون مع الساجدين ، مع أن سجودهم كان يستحثك على أن تسجد مثلهم .
فأجاب إبليس قال :
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
( 33 ) والنفي نفى وجحود ، أي لم يكن من شأني أن أسجد لبشر خلقته