تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4040

مساهمون:

ص٤٠٤٠
ثم قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
، أي رجاء أن يشكروا هذه النعم ، أي تكون حالهم حال شكر ، لا حال كفر فلا يعبدوا إلا اللّه تعالى العزيز الحكيم . والرجاء من العباد لا من اللّه ، أي ليكونوا في حال رجاء الشكر دائمة بدوام هذه الخيرات التي يسوقها اللّه سبحانه وتعالى إليهم وتجىء إليهم في واد ( قفر ) ليس فيه زرع ولا ثمر ، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السّلام فجعله حرما آمنا تجىء إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه وفضله ، بهذا الخير يتوافر أصناف الثمار ما لا يوجد كله في أخصب الأرض وريف الأمصار ، وفي بلد من بلاد الشرق والغرب ، إجابة لدعوة إبراهيم عليه السّلام ، ثم يقول : وليس ذلك من أيامه بعجيب متعنا اللّه بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه ، وأدام لنا الشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم ، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب » . تلك كلمات جار اللّه في مكة المكرمة - الزمخشري « 1 » . وقد أحسّ إبراهيم خليل اللّه بالخشوع أمام ربه والضراعة إليه بعد أن دعا لولده وذريته بما دعا ، وأدرك أن دعاءه فيه معنى التطاول مع علم ربه ، وهو العليم بكل شئ فقال :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
( 38 ) . نادى ربه بضمير الجمع ، فقال :
رَبَّنا
، أي أنه ربه ورب ذريته ، ورب الوجود كله . وأنه أعلم بحالهم ، سرهم وعلانيتهم ، وأن العلم على سواء يستوى فيه المغيب والمعلن وما غاب وما حضر ، وكأنه يستدرك على دعائه ؛ لأنه سبحانه هو الذي أسكنهم في ذلك الوادي الجدب ، وهو الذي أقامهم بجوار بيته المحرم الذي يحرم فيه ما يباح في غيره من صيد وقتال لو كان عادلا ، إلا أن يكون دفاعا . يعلم كل ذلك ، بل إنه ما كان له أن يتطاول على مقام الألوهية بهذا الدعاء ، وقثد ابتدأ الدعاء بذكر حالهم من العلم بسرهم وجهرهم ، ثم عمم علمه سبحانه
هامش
( 1 ) الكشاف : ج 2 / 380 .
زهرة التفاسير — صفحة 4040 | محمد أبو زهرة