تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4037

مساهمون:

ص٤٠٣٧
كما قال تعالى :
. . . مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 123 ) [ النحل ] ، فمن تبعه في ملته فإنه منه ، ومفهوم هذا أن من لم يتبعه في التوحيد ، وعبد الأوثان فليس منه ؛ لأن اشتراط كونه موحدا ليكون منه ، فيه بيان لئن لم يتبعه لا يكون منه ، بل هو برئ منه ، كما تبرأ من أبيه ، وكما تبرأ من قومه إذ قال :
. . . إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
( 78 ) [ الأنعام ] ، ثم قال عليه السّلام في دعائه :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وصف اللّه تعالى خليله بقوله :
. . . إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( 114 ) [ التوبة ] ، وإن حلمه وعطفه وشفقته لتبدو في قوله :
فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فهو عليه السّلام لم يحكم بالعذاب على من عصاه ، بل ترك أمره للّه تعالى ، كما قال عيسى عليه السّلام مثل ذلك فقال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 118 ) [ المائدة ] ، وليس معنى النص أنه يطلب الغفران لمن أشرك باللّه ، فمحال أن يطلب عدو الأصنام الأول غفرانا لعبدة الأوثان ، إنما الذي يفهم من مضمون العبارة السامية أنه يرجو الرحمة لمن عصاه ابتداء ألا يستمر على عصيانه فهو يرجو التوبة ولا يقدر البقاء على الشرك حتى يكون العذاب الأليم . وهنا إشارة بيانية حكيمة ، فيقول خليل اللّه عليه السّلام في دعوته :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
تعبر عن ترك عبادة الأوثان
وَاجْنُبْنِي
، أي اجعلني في جانب وبنى في جانب فهي تتضمن المباعدة ، وكان حقا على ذرية إبراهيم التي عبدت الأوثان أن تباعد بينها وبينها . بعد أن دعا أبو العرب الشفيق لهم بتطهير نفوسهم ، وأن يكونوا للّه تعالى ، دعا لهم بالرزق فقال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) . كان دعاء إبراهيم عليه السّلام بضمير المتكلم
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
وذلك في العبادة ، أما في طلب الرزق فقد طلبه بضمير الجمع فقال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ