وقد جاءت العبارة الضارعة التي تؤكد شكره للنعمة ، فقال :
إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ
، والدعاء هنا هو الضراعة إلى اللّه تعالى ، وطلبه منه الولد ، فقد طلبه ، ودعا ربه به ، فقد جاء في سورة الصافات أنه قال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) [ الصافات ] ، فهذه بشراه بإسماعيل عليه السّلام ، وكانت استجابة لدعائه ، وكانت بعد ذلك في نفس ال سورة بشراه بإسحاق فقال سبحانه :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
( 113 ) .
والبشارتان مختلفتان : فإسماعيل أكبر من إسحاق ، فالذبيح إسماعيل لا إسحاق كما جاء في التوراة المحرفة .
ومهما يكن الأمر في هذا فقوله تعالى على لسان إبراهيم :
إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ
فيه ما يدل على أن ذلك كان بدعاء من الخليل واستجابة من اللّه تعالى ، فقد أكد أن اللّه سميع الدعاء أولا : بالجملة الاسمية ، وثانيا ب ( إنّ ) المؤكدة ، وثالثا باللام في قوله :
لَسَمِيعُ الدُّعاءِ
وعبر بقوله :
إِنَّ رَبِّي
فيه أيضا شعور بالشكر الجزيل لربه ؛ لأنه الذي ربّه وكونه وقام على شؤونه واستجاب دعاءه .
لقد كان إبراهيم عليه السّلام صورة سامية للفطرة الإنسانية ، وأوضح هذه الفطرة حب الذرية والحدب عليها وإكرامها وتوجيهها إلى الحق وإلى عبادة اللّه تعالى ؛ ولذا قال اللّه تعالى على لسانه :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ
( 40 ) .
النداء إلى اللّه سبحانه وتعالى بوصف أنه ربّه الذي كونه وأنشأه ، وربّه وقام على شؤونه يدعوه إلى أن تكون نفسه للعبادة ، يفديه بروحه وبالإيمان ، وإقامة