سألتموه ، أما ما احتجتم إليه ، وكانت حاكم حال من يسأله إياه ، وإن لم يسأل باللسان بل سأله بالاستعداد والتكوين ، فأعطاكم الكساء والغطاء واللباس والوقاية ، ومكنكم من أن تتسلحوا ضد من يغير عليكم من سباع الأرض حيوانات أو أناسي ، وغير ذلك ، والبعضية بعضية أنواع أي بإعطاء بعض كل نوع من الأنواع تسألونه بمقتضى الفطرة والتكوين والحاجة الفطرية ، وعلى أن
مِنْ
بيانية ، يكون المعنى أعطاكم كل ما سألتموه بمقتضى الاستعداد والفطرة على ما بيّنا ، وإن ذلك واضع جمع فيه بين الكلية في كل - ومعنى العطاء .
وعلى قراءة التنوين : يكون ثمة مضاف محذوف دل عليه التنوين ، والمعنى آتاكم من ( كل ) شئ سألتموه ، أي بمقتضى أصل التكوين ، وتكون القراءتان متلاقيتين على تخريج
مِنْ
بأنها بيانية .
ولا أرى موجبا أو داعيا لأن نقول : إنها نافية ، واللّه أعلم .
وإن هذه وما سبقها من نعم هي نعم الإنشاء والإبقاء ، فقد أنعم بالإنشاء وأنعم سبحانه وتعالى بالإبقاء مستمكنا من كل شئ حتى يكون اليوم الآخر يوم الجزاء لمن شكر بالنعيم المقيم ، ولمن كفر بالعذاب الأليم .
وقد أشار سبحانه إلى أن الإنسان يكفر النعمة ظلما ، كما قال تعالى في آية أخرى :
. . . وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
( 13 ) [ سبأ ]
وقد قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
ظلوم صيغة مبالغة من الظلم ، أي أنه ظالم أبلغ الظلم بظلم نفسه بالكفر وغمط حق غيره ، والاعتداء على الناس وعلى الحقائق ، والاعتداء بعبادة الأوثان ، و
كَفَّارٌ
صيغة مبالغة في الكفر ، وهو كفر النعمة وعدم شكرها ، بل اتخاذها سبيلا لعتوه واستكباره وفساده في الأرض ، وقد أكد اللّه تعالى ظلم الإنسان ب « إن » ، وب « اللام » وبصيغة المبالغة في الظلم ، وكفر النعمة ، واللّه محيط بالكافرين .