والجزء الثاني من الدعاء أنه دعا ربه مبتهلا إليه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام فقال تعالى حاكيا دعاءه :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
دعا عليه السّلام لنفسه ولبنيه أن يجنبهم عبادة الأصنام ، فقوله تعالى :
أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
فيه
أَنْ
وما بعدها ، مصدر وهو عبادة الأصنام ، وذكر الفعل المضارع لتصوير عبادة الأصنام ، وفي ذلك إشارة إلى قبحها وبعدها عن المعقول .
وقول إبراهيم :
وَبَنِيَّ
واضح أنه لا يشمل الذرية كلها لدلالة اللفظ على ذلك ؛ ولأن الإجابة لم تكن للذرية كلها ، فقد كان من هذه الذرية من عبد الأصنام ، بدليل هؤلاء الذين نظر فيهم القرآن ، وخاطبهم محمد صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى أن يعبدوا اللّه وحده لا يشركون به شيئا ، فاللّه تعالى لم يكن في إجابته سبحانه وتعالى ما يعم الذرية كلها .
ولقد كان إبراهيم عليه السّلام الذي كان أبوه صانع أصنام ، والذي ابتدأ حياته بحطم الأصنام ، والذي قال :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 ) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ . . .
( 58 ) [ الأنبياء ] . كان إبراهيم أشد الناس بغضا للأصنام وإدراكا لضلال من يعبدونها ؛ ولذا قال مؤكدا :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
أسند الإضلال إلى الأحجار ، مع أن الإضلال هو من الشيطان الذي ابتدع الأوهام حولها ؛ وذلك لأنهم لما عبدوها وأحاطوها بأوهام كثيرة وصار الوهم يولد وهما وتوالت وتكاثرت ، وكلها حولها صح إسناد الإضلال إليها ، وعبر إبراهيم عليه السلام عن الذين ضلوا بها بأنهم كثير ، وليسوا عددا قليلا ، وذلك لعموم الضلال بها ، وعمومه لا يجعلها حقا ، بل هي باطل ،
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
( 116 ) [ الأنعام ] .
وإن ذكر ضلال الأوثان على لسان إبراهيم عليه السّلام ، وهم يتشرفون بنسبتهم إليه وهو باني الحرم الشريف المقدس ، فيه بيان أنه برئ منهم ما داموا يعبدون الأوثان ؛ ولذا قال عليه السلام في دعائه :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
ملة إبراهيم هي التوحيد ،