وكأنهم يشمتون في المؤمنين ، وقد وقع ما يتمنون ، ويصفون أنفسهم بأنهم أهل الحذر ، ليثيروا غضب من أطاعوا الرسول .
وَيَتَوَلَّوْا
معطوف على يقولوا ، أي وينصرفون إلى أهليهم وأصحابهم يتحدثون في أمر هذه النكبة وهم في فرح بها ؛ لأنها أصابت هوى في نفوسهم ، ولذا قال تعالى :
« وَهُمْ فَرِحُونَ »
أي والحال أنهم فرحون فرحا غمرهم ، ويصح أن يكون تولوا بمعنى أعرضوا عن الرسول غير مقبلين عليه مظهرين خبيئة نفوسهم ، وفي هذا ما يفيد أنهم جرءوا عليه ، وحسبوا أن الغد لهم ، وما هي إلا جولة ، حتى يكون الغلب لهم ، ولكن هيهات أن يكون ذلك ، فالهزيمة في معركة بعدها الظفر والنصر .
ولكن المؤمنين مطمئنون لما يقضى به اللّه تعالى لا يستطيرهم نصر ، ولا يخذلهم قرح ، بل إنهم يقدمون متوكلين عليه سبحانه ، إن أصابتهم حسنة لم يستطيروا بها ، بل يستعدون لما بعدها ، وإن أصابتهم نكبة رضوا ، وعلموا أن اللّه تعالى قد قدر لهم ما فيه خير . ولذلك قال تعالى :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
( 51 ) .
أمر اللّه تعالى نبيه أن يقول ما هو تفويض إليه سبحانه ، وما فيه توقع الخير ، حتى فيما يكون في ذاته نكبة أو شدة ، إذ قد يكون وراءه خير ، أو خير قد اختفى في هذه الشدة ، كما قال تعالى :
. . . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 216 ) [ البقرة ] .
فعسى هذه الشدة يكون فيها خير كثير ، ولو كانت مكروهة ، كما قال تعالى :
. . . فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
( 19 ) [ النساء ] ولذا قال :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
أي أنه ليس لنا أن نتبين إن أصابتنا كارثة أو نكبة ، فقد تكون كارثة تنبهنا إلى خطأ وقعنا فيه فيكون هذا التنبيه خيرا لنا ، وواقيا لنا من أن نقع في مثله ، وفوق ذلك فإن المستقبل يكون خيرا لنا لننال الحسنى إن قتلنا ، ففضل الشهادة خير مما تفرحون .