عصيانك ، فيبين اللّه أن هذا الاعتذار التافه الذي لا يدل إلا على عجز حقيقي هو الفتنة في ذاته ، ولذا قال تعالى :
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
أي في الفتنة الكبيرة سقطوا ، والفتنة أطلقت ، والمطلق ينصرف إلى الفرد الأعظم أي الفتنة الكبرى سقطوا فيها ، وقدم المفعول وهو الفتنة على الفعل للإشارة إلى أن عملهم مقصور على الفتنة . فهو الفتنة ، ولا يكون غيرها ؛ لأن عذرهم كاذب ساقط في ذات نفسه .
وعلى أن الآية نزلت فيمن اعتذروا بفتنة نساء بنى الأصفر تكون فتنة التخلف مشاكلة لما ادعوه من فتنة النساء في اللفظ وإن كانت غيرها .
وإنهم بهذا الكذب والاعتذارات الواهية ، وعدم إيمانهم يعدون كافرين ، ولذا قال تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
أي أنهم مؤكدون داخلون فيها ، وستحيط بهم يوم القيامة ، وذكرت الآن لتأكد وقوعها ، كقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ . . .
( 1 ) [ النحل ] ، فهو تأكيد لما سيقع بتصويره كأنه واقع وقوعا مؤكدا .
وقد أكد سبحانه وتعالى الوقوع في جهنم يوم القيامة بعدة مؤكدات :
أولها : الجملة الاسمية ، ثانيها ( إنّ ) الدالة على توكيد الخبر ، وثالثها بيان أنها محيطة بهم إحاطة الدائرة بقطرها لا يخرجون عما تحيط به ، ورابعها باللام المؤكدة في قوله تعالى :
لَمُحِيطَةٌ
.
وأظهر سبحانه في موضع الإضمار فلم يقل : « لمحيطة بهم » بل قال
لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
لبيان سبب هذا العذاب الأليم وهو الكفر ، وقانا اللّه تعالى شر النفاق وأهله .
ثم بين سبحانه شعور المنافقين نحو المؤمنين .
قال تعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 50 إلى 52 ]
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 )