علم النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الأقوال ، وراجت وشاعت بين المؤمنين ، وكانت تشتد شيوعا كلما كان قتال ؛ لأنه يلهج ألسنتهم بفساد القول كلما كانت حرب أو شدة لتكون السخرية ، ويكون التثبيط .
وإذا سألهم النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الأقوال أقروا بها ، وبمقصدهم منها ، وهو العبث ، وهذا قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
.
والخوض هو الدخول في الماء والانغمار فيه ، ثم أطلق على الدخول في الكلام الذي يسمرون به ، والقصص من الأساطير ، واللعب من الفعل أو القول الذي لا يكون لغاية ، بل لمجرد العبث ، أو الاستهزاء والسخرية .
وقد أكد اللّه سؤال النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
بالقسم وفيه اللام الممهدة للقسم ، وحذف المفعول ؛ لأن أقوالهم كثيرة ، وكان جوابهم مؤكدا تبعا لتأكد القسم ، فهم أكدوا أنهم كانوا يخوضون ويلعبون ، ومعنى ذلك أنهم كانوا يستهزءون ، ولذلك أمر اللّه تعالى نبيه بأن يقول لهم :
قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
.
بين اللّه سبحانه وتعالى خطر استهزائهم بالخوض في الكلام العابث ، واللعب الجاحد ، بين لهم أن ذلك يتضمن الاستهزاء باللّه خالق كل شئ ، والآيات التي ترشد العقلاء إلى الحق ، والرسول الصادق الأمين الذي قامت الأدلة من القرآن ومن شخصه على الرسالة ، فكفروا باللّه وكذبوا الآيات .
وتقديم
أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ
على الفعل يستهزءون فيه إشارة إلى تخصيص هؤلاء بالاستهزاء ، فأي ضلال أشد من هذا ، وأي كفر وجحود أشد .
والاستفهام هنا للاستنكار ، إنكار الواقع أي التوبيخ على ما فعلوا .
ولهذا الفجور الذي يبدر من ألسنتهم ويدل على قلوبهم ، قال اللّه تعالى :
لا تَعْتَذِرُوا
؛ لأن كل اعتذار يلقون فيه أنفسهم بهاوية من الكفر أشد مما هم فيه ، فقال تعالى :