وطلبهم ، ويتفق مع رغبتهم في الخبال والفساد ، وقد ختم اللّه تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
أي أن اللّه تعالى عليم بهم وبنياتهم ، وما يطوونه في جنوبهم من إرادة الشر بالمؤمنين ، وأظهر في موضع الإضمار لتسجيل الظلم عليهم ، وأن الظالمين لن يفلحوا أبدا .
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
( 48 ) .
الضمير يعود إلى الذين استأذنوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وثبطوا المؤمنين ، وهم المنافقون ، و
ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ
أي طلبوها بشدة راغبين فيها ، قاصدين الفتنة أي تضليل المؤمنين ، والإفساد من قبل ، أي من قبل ذلك التخذيل الذي بدا منهم الآن ، فذلك ديدنهم ، وما أرادوا بالإسلام إلا خبالا ، حتى لقد روى أنهم - والأوس والخزرج كانوا يبايعون النبي صلى اللّه عليه وسلم بالعقبة - كانوا يدبرون الأمور لاغتياله عند مقدمه المدينة كما روى ابن جريج ، ولقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير :
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
أي لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك ، وخذلان دينك ، وإخماده مدة طويلة ، وذلك أوان مقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، ورمته العرب عن قوس واحدة ، وما رتبه يهود المدينة ومنافقوها ، فلما نصره اللّه يوم بدر ، وأعلى كلمته ، قال عبد اللّه بن أبي : هذا أمر قد توجّه ، فدخلوا في الإسلام ظاهرا ، ثم كلما أعز اللّه الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم » .
وقال سبحانه وتعالى :
وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
أي صرفوها ، ودبروها ، وكانوا أحيانا يمالئون أعداء الدين من أهل الكتاب والمشركين ، ومرة يخذلون المؤمنين ، ومرة يدخلون في الغزوات مجاهدين ، ثم يعدلون ليلقوا التردد في نفوس المؤمنين كما فعلوا في غزوة أحد ، ومرة يحرضون من يوالونهم من بعض الأوس والخزرج لحوادث صغيرة يثيرونها . حتى كادت تكون فتنة بين الحيين من الأنصار ، فهم في فتنهم الدائمة المستمرة ، يلبسون لكل حال لبوسها ، يحركهم الكفر ، ويدفعهم النفاق