تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3309

مساهمون:

ص٣٣٠٩
من هجرة عدد من المؤمنين من قبل ، ولم يبق بمكة إلا النبي وأبو بكر ، وعلى ، ولعل بعض بني هاشم . فالهجرة كانت مقررة ، ويصح أن ينسب إلى المشركين أنهم أخرجوه على أساس أنهم كانوا السبب في خروجه ؛ وذلك لأنهم عادوا الدعوة المحمدية ، ونابذوها ، وآذوا أهلها ، ولم يعاضدوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم في دينه الذي بعث به ، فلم يعودوا صالحين لأن تقام دعوة الحق في أرض مكة ؛ لأنه لا يمكن أن تقوم دولة في ظل دولة الأوثان ، وقد كانت تناوئها ، وتعذب أهلها ، فكانت الهجرة أمرا لا بد منه لإقامة دولة الحق والوحدانية في المدينة التي وجد الإسلام فيها بيئة صالحة ، فغرس فيها غرسه . وقد صور اللّه تعالى في كلامه الحكيم كيف كان نصره سبحانه في الهجرة ، فقال تعالى :
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
. قال سبحانه وتعالى :
ثانِيَ اثْنَيْنِ
حال كونه واحدا من اثنين ، أي أنه في قلة ليس معه إلا واحد ، وهم يقتفون آثارهما ويتتبعونهما ، ويلجآن إلى غار ، يتتبعهما فيه عدد من رجالهم ، وأرسلوا واحدا ، يسير وراءهم إلى المدينة ، وإنهما عندما نزلا في الغار عشش على ظاهره الحمام والعنكبوت ، وما ذلك إلا من عمل اللّه تعالى الذي لا تخفى عليه خافية ، ولقد كان من يقتفى الآثار قد انته اقتفاؤه إلى هذا الغار ، وقال : هاهنا انته الأثر ، ولكن ظاهر الحال يكذب القافى ؛ لأن العنكبوت قد نسج خيوطه ، والحمام قد عشش عليه ، فكيف ، وذلك من فعل خالق الغار ، وخالق الحمام والعنكبوت الذي أحكم خلقه وقدره تقديرا ، ولقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر رضى اللّه عنه أنه قال : « نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار ، وهم على رؤوسنا ، فقلت : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لو أن أحدهم نظر إلى قدميه ، أبصرنا تحت قدميه ! فقال : « يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه أحمد : مسند العشرة - مسند أبى بكر الصديق . رضى اللّه عنهم ( 12 ) ، وباللفظ نفسه رواه مسلم : فضائل الصحابة - فضائل أبى بكر الصديق ( 2381 ) ، وبنحوه البخاري : المناقب - مناقب المهاجرين وفضلهم ( 3653 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 3309 | محمد أبو زهرة