تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3306

مساهمون:

ص٣٣٠٦
وقال تعالى فيما يترتب على تثاقلهم ، وهو أن يكونوا قد تركوا الجهاد ورضوا بمتاع قليل ، وتركوا متاع الآخرة الكثير ، فقال تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
الاستفهام للاستنكار التوبيخى ، ومعناه أنكم إذا اثاقلتم عندما دعيتم إلى النفور في سبيل اللّه فقد رضيتم بأن تكون لكم الحياة الدنيا التي هي الدنية
مِنَ الْآخِرَةِ
من هنا بمعنى بدل ، أي رضيتم بالدنيا ونعيمها الزائل بدل الآخرة ، ونعيمها المقيم الدائم . ولذا قال مقررا الفرق بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة ، فقال تعالت كلماته :
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
. ( الفاء ) هنا للإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر تقديره ، إذا كنتم رضيتم ذلك فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قدر قليل ضئيل ، وهنا إشارات بيانية نذكرها . أولها - في التعبير ب
اثَّاقَلْتُمْ
فإن الصيغة بحالها من الإبدال في لفظها دلالة على استثقال النفور في سبيل اللّه ، وما ذلك شأن المؤمنين المجاهدين الذين سبق لهم البلاء في الإسلام ، ولهم في الجهاد سابقات كرام . الثانية - في النفي والإثبات في قوله تعالى :
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
فإنه يفيد قصر متاع الدنيا ، مهما يكن من إحساس وراحة بالنسبة للآخرة فما هو إلا قليل . ولم يذكر متاع الآخرة لكثرته ، ولأن الإيمان بها في ذاته سعادة غير محصورة ، فهي علو في إدراك النعيم المقيم الثابت الدائم . وإن عاقبة القصور عن الجهاد هي الذل ، والهوان ، ولذا قال تعالى :
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 39 ) .