تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3312

مساهمون:

ص٣٣١٢
فلما أراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعيد الكرّة على الروم لكيلا يطمعوا في المسلمين ، ويستصغروا أمرهم كما هو الشأن في استصغارهم أمر العرب ، ولأنهم قتلوا من أسلم من أهل الشام ليفتنوهم عن دينهم ، وما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ليسكت عن فتنة المؤمنين ، وهو قادر على منعها . كانت غزوة تبوك هي الردع للروم ، لكيلا يضطهدوا المؤمنين في أرضهم ، ولكيلا يتخذوا أهل الحق خولا لهم ، وأراد النبي أن يكون العدد كثيرا ، أو أراد اللّه تعالى له ذلك . ولذا دعا الجميع أن ينفروا ؛ لأن قضية العرب أمام الرومان ، فقال تعالى :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
أي انفروا جميعا ، ولا فرق بين غنى حمله خفيف ، أو فقير مثقل بالعيلة والأولاد ، ولا فرق بين شاب وشيخ ، ولا فرق بين حال منشط أو مكره ، وحال إقبال وحال إثقال واستكراه ، وحال خفة إلى العمل ، وإثقال في التحرك إليه . انفروا جميعا غير متعللين بأية علة ، فإنها قضية الإسلام والعرب ، فإما أن يذلوا للرومان أو يعتزوا بالإسلام . ثم قال تعالى :
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
والجهاد بالمال يكون بالإنفاق على الحرب ، وعلى أدواته ، وعلى إعانة من لا مال لهم ، والجهاد بالنفس بحمل السيف ، والقتال ، وإعانة المقاتلين ، ويروى أن شيخا أثقلته السنون ذهب إلى الحرب ، فثبطه ضعف الشيخوخة ، فقال : إن لم أقاتل عاونت المقاتلين ، وأغنيهم عن بعض ما يحتاجون إليه . والجهاد بالنفس يتناول تعويدها الصبر وتحمل المكاره . وقال تعالى :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
أي الخروج بنفير عام ، وغير معوقين بأثقال أو بأي سبب من الأسباب
خَيْرٌ لَكُمْ
لأنه العزة ، والعزة خير من الذلة ، وفيه إرضاء اللّه وإرضاء اللّه خير كله ؛ ولأنه الرفعة ، ولأنه الكرامة ، والكرامة خير من