في هذه الآيات البينات يبين ما عليه الذين كفروا من إصرارهم على الكفر ، ونقضهم للعهد ، وما ينبغي لهم من معاملة ، وأنه إذا وجدهم في الحرب للمسلمين فيه غلب أن يضربهم ضربة قاسمة ليشرد الذين من ورائهم من قومهم أو يصيبهم الرعب ، فلا يجتمعون عليه رهبا وخوفا ، وإنه يجب توقع الخيانة منهم ومن كان يخاف خيانته ، ينبذ عهده ، ويتقى أذاه ، وقد ابتدأ سبحانه بوصف الكفر ، كيف يتدلى الكافر من مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الدواب الحقيرة التي هي أدنى الحيوان إلى أن قال تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
.
« الدواب » جمع دابة ، وهي كل ما يدب على وجه الأرض من حشرات إلى قردة وخنازير ، إلى كلاب وحمير وخيل ، إلى الإنسان ، والتعبير عن الذين كفروا بالدواب حط من إنسانيتهم ؛ لأنهم أغفلوا مداركهم وصاروا كأقل الحيوان ذكرا ، ومكانا .
وليسوا فقط أحط الأحياء ، بل هم أحط من أحطها ، فهم شر الدواب ، وهم في الدرك الأسفل من الحيوانية ، وأحط ما في هذا الدرك .
يقول تعالى مؤكدا القول :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
فحكم اللّه تعالى بأنهم أشد الحيوانات شرا ، من الحشرات التي تدب إلى الإنسان الذي خلقه اللّه تعالى فسواه في أحسن تقويم ، وشرهم الشديد ؛ لأنهم أوتوا عقولا فشوهوا إدراكها ، وأوتوا فطرة سليمة ، فرضوا أن يعبدوا حجارة هي أحط من أحط الحشرات وجودا ؛ لأن الحشرة فيها حياة وأوثانهم لا حياة فيها ، وهم شر الأحياء لأن كل شئ حي فيه نفع ، وإن كنا لا نحصيه ، وهم شر لأنهم ظالمون ولا نفع فيهم ، وهم شر لأنهم يعاندون الخير ويعاندون الحق ويؤيدون الشر ، وإذا كان مقياس الخير والشر هو النفع في الخير ، والفساد في الشر - فالذين كفروا بمقتضى هذا القياس سلب منهم كل خير ، واتسموا بكل شر ، فكانوا شر الأحياء .