تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3168

مساهمون:

ص٣١٦٨
ثم قال تعالى :
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« الفاء » تفيد السببية والمعنى هم سبب كفرهم لا يؤمنون والنفي نفى متجدد للإيمان ، أي أنه قد تلبس بهم الكفر فلا يؤمنون قط ، وعبر بالمضارع لتجدد كفرهم آنا بعد آن ، وتلك حالهم ، ونفى اللّه عنهم الإيمان بإطلاق ، فلم ينف الإيمان بالله والرسول فقط ، بل نفى الإيمان بإطلاق فهم لا يؤمنون بحق إلا في ظل أهوائهم وشهواتهم ، ولا يؤمنون بفضيلة ، ولا يؤمنون بحق الإنسان على أخيه بل يؤمنون بالجبت والطاغوت ، لا يؤمنون إلا بالشيطان ، فعقولهم كلها للشر ، ونفوسهم سكنها الشيطان يعاضدون الظلم ، ويؤيدون الباطل ، فكانوا بهذا شر الدواب عند اللّه ، أي في حكم اللّه تعالى خالق الحياة والأحياء . وأوضح سبحانه إيذاءهم للناس بأنهم لا يرتبطون بعهد مع الناس قط ، فهم لا يشعرون بحق لغيرهم ولو بعقد التزموه أو عهد أبرموه فهم جائرون بائرون في تفكيرهم وإنسانيتهم ؛ ولذا قال تعالى :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
.
الَّذِينَ
في هذه الآية بدلا من
الَّذِينَ كَفَرُوا
في الآية السابقة ، فهذا وصف من أوصافهم ، وحال من أحوالهم ، وأوضح ما كان ذلك في اليهود الذين جاءوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة فهم الذين عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ونقضوا عهده ؛ ولذلك يقول تعالى :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ
وإذا كانت واضحة في اليهود ، ولم يكن للمشركين إلا عهد الحديبية ، وقد نقضوه ، فيصح أن يكونوا عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ونقضوه ، ولكن لم يتكرر نقضهم ؛ ولذا نقول : إن البدل في الذين عاهدتهم ليس بدل كل من كل ، بل بدل بعض من كل . واليهود عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وتكرر النقض فقد عاهدهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أول إقامته عهد تعاون على البر والتقوى ، ونقضه بنو قينقاع عقب وقعة بدر الكبرى ، ثم أبرموه مرة ثانية بنو النضير حتى اضطر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى إجلائهم ، حتى يقيم في المدينة ( والجنة تجاوره ) ، ثم كانت الممالأة للمشركين ، ومكانتهم للمشركين ، والنبي
زهرة التفاسير — صفحة 3168 | محمد أبو زهرة